من وظيفة في المحاسبة بالمملكة العربية السعودية إلى صناعة الأفلام الوثائقية التي يتابعها الملايين، صنع الرحّالة الأردني جو حطاب مسارًا إعلاميًا مختلفًا، حوّل فيه شغفه بالسفر إلى مشروع متكامل يقوم على البحث والتخطيط والإنتاج والتصوير والسرد القصصي، متجاوزًا حدود الرحلات الشخصية إلى تقديم تجارب إنسانية وثقافية من مختلف أنحاء العالم.
ولم تعد تجربة حطاب مجرد انتقال بين البلدان وتوثيق المعالم السياحية، بل أصبحت نموذجًا لصانع المحتوى الذي استطاع بناء هوية إعلامية مستقلة، والوصول إلى جمهور واسع من خلال أفلام تجمع بين المعرفة والتشويق وجمال الصورة.
من المحاسبة إلى الكاميرا
وُلد جهاد حطاب، المعروف باسم جو حطاب، في الأردن عام 1990، ونشأ في المملكة العربية السعودية، حيث درس وعمل في مجال المحاسبة قبل أن يقرر عام 2016 ترك وظيفته والتفرغ للسفر وصناعة المحتوى.
بدأ رحلته بمدخرات جمعها خلال سنوات عمله، متجهًا إلى عدد من الدول الآسيوية، حيث وثّق تجاربه الأولى بكاميرته، في مرحلة كانت أقرب إلى يوميات المسافر الذي يشارك جمهوره مشاهداته وانطباعاته.
لكن تلك البداية لم تكن نهاية الطموح، إذ أخذت تجربته تتطور تدريجيًا من تصوير الرحلات إلى إنتاج أفلام وثائقية تتطلب البحث المسبق، واختيار الموضوعات، وبناء القصص، والتعامل مع تقنيات التصوير والمونتاج والإخراج.
الإنسان قبل المكان
تكمن إحدى أبرز سمات تجربة حطاب في انتقاله من تقديم الوجهات السياحية إلى البحث عن الإنسان الذي يعيش فيها، فالمكان بالنسبة إليه ليس مجرد مشهد جميل أو معلم يستحق الزيارة، وإنما مساحة تحمل قصصًا وعادات وتقاليد وتجارب إنسانية مختلفة.
وفي بنغلاديش، اتجه إلى توثيق حياة العاملين في تفكيك السفن، بينما اقترب في سيبيريا من تفاصيل الحياة في المناطق شديدة البرودة، وحملته رحلات أخرى إلى كوريا الشمالية وغابات الأمازون ومناطق نائية في آسيا.
وتكشف هذه الاختيارات عن توجه إعلامي يتجاوز السياحة التقليدية، إذ تصبح حياة السكان وثقافاتهم وتحدياتهم جزءًا أساسيًا من الحكاية، ويغدو اكتشاف المكان مرتبطًا بفهم المجتمع الذي يمنحه هويته.
الرحلة تتحول إلى صناعة
لم يكتفِ حطاب بتغيير الوجهات التي يقصدها، بل طور الطريقة التي يقدم بها أعماله، معتمدًا على التصوير السينمائي والسرد الوثائقي والمونتاج الذي يمنح المشاهد إحساسًا بأنه يتابع فيلمًا متكاملًا، لا مجرد يوميات رحّالة.
ومع اتساع تجربته، انتقل من العمل الفردي إلى منظومة إنتاج أكثر احترافية، تقوم على إعداد الموضوعات وتحديد مواقع التصوير وتنظيم الرحلات وتجهيز المعدات وتنفيذ مراحل الإنتاج المختلفة.
وهنا تظهر إحدى أهم دلالات تجربته؛ فالسفر لم يعد غاية مستقلة، وإنما أصبح جزءًا من عملية إعلامية أوسع، تتطلب مهارات إدارية وفنية وتحريرية، وقدرة على تحويل الفكرة إلى منتج بصري يصل إلى الجمهور.
شهرة تصنعها الحكايات
استطاع جو حطاب بناء جمهور واسع عبر يوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي، وتشير البيانات التي يعرضها موقعه الرسمي إلى أن مجموع متابعيه تجاوز 44 مليونًا عبر المنصات المختلفة، فيما امتدت رحلاته إلى أكثر من 80 دولة.
غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تختصر تجربته؛ فالقيمة الأبرز تكمن في قدرته على تقديم موضوعات من بيئات وثقافات متباينة بلغة عربية، مستفيدًا من أدوات الإنتاج الحديثة ومن اهتمام الجمهور بالقصص غير المألوفة.
وتكشف تجربته كذلك عن تغير علاقة المشاهد بمحتوى السفر، فلم يعد الجمهور يبحث عن الفنادق والمطاعم والمعالم السياحية وحدها، بل أصبح يتابع حياة الشعوب والظواهر الاجتماعية والتجارب الإنسانية التي قد لا يجدها في البرامج السياحية المعتادة.
حضور عربي متجدد
لم تقتصر رحلات حطاب على الوجهات البعيدة، بل امتدت إلى مواقع عربية تحمل قيمة تاريخية وثقافية، من بينها مدينة شبام في حضرموت اليمنية، التي تتميز بمبانيها الطينية المرتفعة وعمارتها التاريخية.
كما حظيت أعماله المصورة في الأردن باهتمام واسع، ومن بينها مقاطع عن مدينة البترا، أعلنت وكالة الأنباء الأردنية في سبتمبر 2026 أن ثلاثة منها حققت نحو 13.3 مليون مشاهدة خلال يوم واحد.
وتعكس هذه التجارب قدرة المحتوى الوثائقي الرقمي على إعادة تقديم الوجهات العربية لجمهور واسع، عندما تُبنى المادة على قصة واضحة وتُنفذ بأدوات تصوير وإنتاج جاذبة.
من الشغف إلى المشروع
ما يستحق التوقف عنده في تجربة جو حطاب ليس عدد الدول التي زارها، ولا حجم جمهوره وحده، وإنما نجاحه في تحويل شغفه الشخصي بالسفر إلى مشروع إعلامي متكامل، يحمل بصمته ويعكس رؤيته في تقديم العالم للمشاهد العربي.
فالمشروع الذي أسسه يقوم على اختياراته للأفكار والوجهات، وقدرته على الوصول إلى القصص، وإدارة عمليات الإنتاج، وتطوير أسلوب بصري أصبح مرتبطًا باسمه، ما جعله ينتقل من تصوير رحلاته الشخصية إلى صناعة أعمال وثائقية تحظى بمتابعة واسعة.
وتبرز في هذه التجربة شخصية الرحّالة الذي لم يكتفِ بالمغامرة والاكتشاف، بل استثمر خبراته وطوّر أدواته، ليؤسس مسارًا مهنيًا يجمع بين شغف السفر ومهارات الإنتاج الإعلامي.
الإعلام السياحي يتغير
تقدم تجربة حطاب نموذجًا للتحول الذي يشهده الإعلام السياحي، بعدما أصبح صانع المحتوى المستقل قادرًا على إنتاج أعمال بصرية تستقطب جمهورًا واسعًا، وتؤثر في صورة الوجهات التي يتناولها.
غير أن هذا التحول يفرض مسؤوليات مهنية متزايدة، فالتشويق وجمال الصورة لا يغنيان عن دقة المعلومات، واحترام خصوصية المجتمعات، وتقديم الثقافات المختلفة بعيدًا عن المبالغة والصور النمطية.
كما أن الاقتراب من القضايا الاجتماعية والبيئات الحساسة يتطلب بحثًا وتحققًا وسياقًا يتيح للمشاهد فهم ما يراه، بدل الاكتفاء بالمشاهد المثيرة أو غير المألوفة.
الحكاية تصنع التأثير
بعد نحو عقد من انطلاقته عام 2016، تعكس تجربة جو حطاب قدرة المحتوى العربي على تجاوز الحدود الجغرافية، والوصول إلى جمهور واسع من خلال لغة بصرية تجمع بين المعرفة والتشويق.
ولعل أبرز ما يميز هذه التجربة أنها لم تتوقف عند تحويل السفر إلى مهنة، بل انتقلت إلى تحويل الرحلة نفسها إلى مشروع إعلامي متكامل، يبحث عن الفكرة قبل اختيار زاوية التصوير، وعن الإنسان قبل الاكتفاء بجمال المكان.
وهكذا أصبح جو حطاب مثالًا لتحول الرحّالة من ناقل للمشاهدات إلى صانع للحكايات، ومن شخص يحمل كاميرا ويسافر حول العالم إلى صاحب مشروع يمتلك أدواته الإنتاجية وهويته الإعلامية، ويؤكد أن التأثير الحقيقي لا تصنعه المسافات التي يقطعها المسافر، وإنما القصص التي يستطيع أن يعود بها إلى جمهوره.

