حين يقف الدكتور عيد اليحيى أمام جبل أو في بطن وادٍ، يستحضر للمشهد ذاكرته؛ قصيدة قيلت، وحياة مضت، وحكاية بقي صداها في أسماء الأماكن. بهذه الروح، قدّم في «على خطى العرب» تجربة إعلامية تستحق الاحتفاء، تصل جمال الأرض بثراء تاريخها، وتمنح المشاهد متعة الاكتشاف والمعرفة معًا.
وتكمن خصوصية تجربته في انتقاله بالحكاية إلى أرضها؛ يتتبّع مواقع ارتبطت بشعراء المعلقات وأحداث حياتهم، ويستعيد قصائدهم وسط الصحراء والجبال التي شكّلت عالمهم. هناك، تكتسب الكلمات صورة، وتصبح الأماكن التي مرّت على القارئ في الكتب مشاهد يراها، ويتأمل تفاصيلها، ويقترب من معناها.
وفي هذا اللقاء بين النص والمكان، يبرز اليحيى راويًا يعرف قيمة التفاصيل؛ يستدعي الشعر ليضيء المشهد، ويفتح من الجغرافيا بابًا إلى التاريخ. ويمنح حضوره الميداني السردَ حيوية الرحلة، فيرافقه المشاهد عبر مواقع تحمل شواهد من ذاكرة الجزيرة العربية وإرثها الثقافي.
ومن منظور الإعلام السياحي، تحمل هذه التجربة قيمة خاصة؛ فهي تكشف ما تستطيع المعرفة أن تضيفه إلى جاذبية الوجهة. فالوادي الذي نعرف حكايته يصبح أقرب إلينا، والجبل الذي ارتبط بقصيدة يكتسب معنى يتجاوز تكوينه الطبيعي. وهكذا يمكن للمحتوى الثقافي أن يوقظ الرغبة في السفر، وأن يمنح الزيارة غاية تتمثل في اكتشاف المكان وفهمه.
ويستحق اليحيى التقدير على جهده في توثيق جوانب من تاريخ المملكة وإرثها الثقافي، وتقديمها في رحلة بصرية ومعرفية تقرّب هذا الثراء إلى الجمهور. ففي تجربته تتجلى صلة الباحث بأرضه، ومسؤولية الإعلامي في التعريف بكنوزها، وموهبة الراوي في منح المعرفة حضورًا مشوقًا.
وتقدّم تجربته لصنّاع المحتوى السياحي درسًا في أهمية البحث، وقيمة النزول إلى الميدان، وجمال الاستعانة بالأدب لفهم المكان. فالحكاية حين تُروى من أرضها تكتسب حضورًا مختلفًا، وتمنح الصورة عمقًا يبقى بعد انتهاء المشاهدة.
لقد منح عيد اليحيى حكايات الأرض صوتًا وصورة، وقرّب إلى المشاهد ثراء وطنٍ يستحق أن تُعرف تفاصيله. وتلك بصمته الأجمل: أن يقودك إلى مكان فتتعرّف إلى تاريخه، وتقرأ قصيدته، وتعرف قيمة الأرض التي تعيش عليها.

