بيوت الضيافة تستثمر في توجهات المسافرين وسوق الإقامة بالمليارات
لم يعد الفندق المتكامل بخدماته ومرافقه الخيار المفضل لجميع المسافرين؛ إذ يتجه بعضهم إلى البحث عن مكان يوفر نومًا مريحًا ونظيفًا وآمنًا، دون تحمل تكلفة المطاعم والمسابح والصالات الرياضية وغيرها من الخدمات التي قد لا يستخدمونها خلال رحلاتهم.
ويعكس هذا التوجه تحولًا في أولويات الإنفاق السياحي، خصوصًا لدى المسافرين الأفراد والشباب وأصحاب الرحلات القصيرة، الذين يفضلون توجيه جزء أكبر من ميزانياتهم إلى التجارب والأنشطة والتنقل، بدل إنفاقها على إقامة فندقية مرتفعة التكلفة.
واللافت أن هذا التحول لا يعني بالضرورة قبول إقامة متدنية الجودة، بل يعيد ترتيب مفهوم الجودة نفسه؛ فالمسافر قد يتنازل عن مساحة الغرفة وفخامة الأثاث وتعدد المرافق، لكنه يتمسك بنظافة السرير وهدوء المكان وجودة النوم.
النوم بدل الرفاهية
التقطت منشآت الضيافة الاقتصادية هذا التغير في سلوك المستهلك، وبرزت نماذج متعددة تركز على الوظيفة الأساسية للإقامة، من بينها الفنادق محدودة الخدمات، وفنادق الكبسولات، وبيوت الضيافة الصغيرة.
وتقوم الفكرة الاقتصادية على تقليل المساحات المشتركة والخدمات التشغيلية، والتركيز على تجهيزات النوم والنظافة وسهولة الوصول إلى مكان الإقامة، بما يسمح بتقديم أسعار أكثر تنافسية.
ولا تتساوى هذه النماذج في مستوى الخصوصية أو الراحة، لكن ما يجمعها هو محاولة الفصل بين ما يحتاجه المسافر فعلًا وما يمكنه الاستغناء عنه.
المنازل تدخل المنافسة
ولم يقتصر التحول على الفنادق؛ إذ أتاحت منصات تأجير المنازل والغرف للأفراد دخول سوق الضيافة، وتحويل غرف إضافية أو مساكن غير مستخدمة إلى وحدات إقامة تستقبل المسافرين.
وفي هذا النموذج، لا يحتاج مقدم الخدمة بالضرورة إلى مطعم أو استقبال يعمل على مدار الساعة أو مرافق ترفيهية، وإنما إلى مكان مناسب وتجهيزات أساسية وإدارة موثوقة للحجز والنظافة والدخول والخروج.
وأصبح بعض المسافرين يقارنون بين تكلفة الغرفة الفندقية وتكلفة استئجار غرفة داخل منزل أو وحدة سكنية مستقلة، خصوصًا عندما تكون الإقامة قصيرة ويقضي الزائر معظم يومه خارج مكان المبيت.
لكن انخفاض السعر ليس مضمونًا دائمًا؛ إذ قد ترفع رسوم التنظيف والخدمة والموقع تكلفة الإقامة المنزلية، وتصبح بعض الفنادق الاقتصادية أكثر جدوى عند حساب السعر النهائي.
الأرقام تكشف الأولويات
وتدعم بيانات استطلاع أجرته منصة «هوستل وورلد» خلال عام 2026 فكرة إعادة ترتيب أولويات المسافر؛ إذ أظهرت النتائج أن 51% من المسافرين المنفردين المشاركين في الاستطلاع لجؤوا إلى الإقامة في غرف نوم مشتركة بدل الغرف الخاصة لتقليل التكاليف، فيما اتجه 27.5% إلى إعداد طعامهم بدل تناوله في المطاعم، وخفّض 26.2% إنفاقهم على الجولات والأنشطة المدفوعة.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن تقليص تكاليف الإقامة أصبح إحدى الوسائل التي يلجأ إليها بعض المسافرين للحفاظ على ميزانيات رحلاتهم، دون الاستغناء بالضرورة عن السفر نفسه.
سوق بمليارات الدولارات
وتكشف نتائج منصة «إير بي إن بي» حجم السوق الذي استطاعت الإقامة البديلة الوصول إليه؛ فقد سجلت المنصة خلال عام 2025 نحو 533 مليون ليلة ومقعد محجوز ضمن الإقامات والخدمات والتجارب، بقيمة حجوزات إجمالية بلغت 91.3 مليار دولار، عبر أكثر من تسعة ملايين إعلان إقامة نشط بنهاية العام.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الحجوزات اقتصادية أو أنها تخص تأجير المنازل وحدها، لكنها توضح اتساع سوق الإقامة خارج النموذج الفندقي التقليدي، وقدرة الأفراد وملاك العقارات الصغيرة على المشاركة في صناعة الضيافة.
الكبسولات تقدم نموذجًا
وفي اليابان وغيرها من الأسواق، تقدم فنادق الكبسولات نموذجًا واضحًا لتقليص تكلفة المبيت، إذ يحصل النزيل على مساحة صغيرة مخصصة للنوم، بينما يتشارك مع الآخرين بعض المرافق.
وبحسب مؤشر متخصص يرصد 299 فندق كبسولات، يبلغ متوسط السعر المعروض نحو 29 يورو لليلة، مع اختلاف الأسعار بحسب المدينة والموقع ومستوى الخصوصية.
ويعكس هذا النموذج إمكانية بناء نشاط ضيافة على توفير مساحة نوم مناسبة دون الحاجة إلى جميع المرافق التقليدية، مع بقاء النظافة والهدوء والأمان عوامل أساسية في نجاح التجربة.
فرصة للضيافة السعودية
وفي السعودية، يمكن أن يفتح هذا التحول مجالًا أمام بيوت الضيافة والشقق والغرف المرخصة، خصوصًا في الوجهات التي يقضي زوارها معظم أوقاتهم خارج أماكن الإقامة.
فبدل منافسة الفنادق الكبرى في عدد المرافق، تستطيع المنشآت الصغيرة التركيز على جودة الأسرة والمراتب والعزل الصوتي والنظافة وسهولة الحجز والوصول، مع ضبط تكاليف التشغيل.
وتبرز الفرصة بصورة خاصة لدى المسافرين المنفردين، والزوار الذين ينتقلون بين عدة وجهات، والباحثين عن إقامة قصيرة بتكلفة محدودة.
الرفاهية خارج الغرفة
وتكشف هذه النماذج عن تحول اقتصادي أوسع في سلوك المسافر؛ فلم يعد توفير المال على الإقامة يعني بالضرورة تقليص ميزانية الرحلة بأكملها، بل قد يكون وسيلة لإعادة توزيع الإنفاق على المطاعم والفعاليات والوجهات والتجارب.
ومع ذلك، لا تكفي الأسعار المنخفضة وحدها لضمان نجاح هذه المنشآت، خصوصًا عندما تأتي على حساب الخصوصية أو النظافة أو السلامة.
وبين فندق يقدم عشرات الخدمات، وغرفة صغيرة توفر نومًا مريحًا، قد يختار المسافر الأقل تكلفة، لا لأنه تخلى عن جودة رحلته، وإنما لأنه قرر إنفاق أمواله خارج الفندق.
وهنا تتشكل فرصة جديدة لصناعة الضيافة: أن تبيع للمسافر ما يحتاجه فعلًا، لا ما يستطيع الاستغناء عنه.

