الذكاء الاصطناعي والكوادر والرقمنة وجودة التجربة ترسم ملامح مرحلة جديدة
من الأحساء والعلا إلى الرياض وعنيزة والباحة، كشفت النقاشات والفعاليات التي شهدتها مناطق المملكة بمناسبة يوم السياحة العالمي 2026 عن ملامح مرحلة جديدة في القطاع، يتقدم فيها الذكاء الاصطناعي وتحليل بيانات الزوار وتأهيل الكفاءات ورقمنة الخدمات وتطوير المنتجات السياحية.
ولم تعد الأولويات المطروحة محصورة في زيادة أعداد الزوار أو إضافة وجهات جديدة، بل امتدت إلى كيفية إدارة تجربة السائح وفهم احتياجاته وربط التدريب بسوق العمل وتنظيم المنتجات الجديدة، في وقت تتوسع فيه المملكة في بناء منظومة سياحية أكثر تنوعًا.
من العدد إلى التجربة
يأتي هذا التحول في وقت حققت فيه المملكة المركز 29 عالميًا في مؤشر تنمية السفر والسياحة لعام 2026، متقدمة ثلاثة مراكز مقارنة بعام 2024، و17 مركزًا مقارنة بعام 2019.
ومع التقدم في المؤشرات الدولية، يتجه الاهتمام تدريجيًا من زيادة أعداد الزوار إلى ما يحدث للسائح خلال رحلته، بدءًا من التخطيط والحجز، مرورًا بالوصول والتنقل، وانتهاءً بالخدمات والتجارب التي يحصل عليها في الوجهة.
وتضع الاستراتيجية الوطنية للسياحة مستهدفات تصل إلى 150 مليون سائح محلي ووافد، ومساهمة بنسبة 10% في الناتج المحلي الإجمالي، و1.6 مليون وظيفة في القطاع، ما يجعل جودة التجربة وكفاءة التشغيل وتأهيل الموارد البشرية عناصر أساسية لاستدامة النمو.
الذكاء يقرأ السائح
وكان الذكاء الاصطناعي من أبرز الموضوعات حضورًا في النقاشات السياحية.
ففي الأحساء، طُرح استخدام بيانات الزيارات والحجوزات والتقييمات وسلوك المستفيدين وتحويلها إلى معلومات تساعد على فهم احتياجات الزائر وتوقع الطلب واكتشاف الفرص، ضمن ملتقى تناول الأجندة الرقمية والذكاء الاصطناعي وإعادة تصميم السياحة.
ولا يقتصر هذا الاتجاه على النقاشات والملتقيات؛ إذ تعرض وزارة السياحة ضمن منظومتها الرقمية منصة «TourismX» بوصفها مساحة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لدعم القرارات السياحية، إلى جانب الخدمات والمنصات الرقمية الأخرى.
ويعكس ذلك انتقال البيانات من أداة لقياس النتائج بعد انتهاء الموسم إلى عنصر يمكن الاستفادة منه في التخطيط واتخاذ القرار قبل وصول السائح وأثناء رحلته.
الأمن يدخل الرحلة
ومع توسع الخدمات الرقمية، ظهر الأمن السيبراني ضمن الموضوعات المتصلة بتجربة السائح.
ففي الأحساء، تناولت الكلية التقنية مخاطر الاحتيال والتصيد الإلكتروني والهندسة الاجتماعية، في ظل تزايد اعتماد المسافر على المنصات الرقمية في الحجز والدفع والتواصل.
ويضيف ذلك بعدًا جديدًا لمفهوم جودة التجربة السياحية؛ فلا تتوقف التجربة عند الفندق والمطار والوجهة، بل تمتد إلى حماية السائح وبياناته خلال رحلته الرقمية.
الكفاءات قبل التوسع
وفي العلا، انتقل الحديث عن التقنية إلى التدريب والتطبيق، إذ عرض متدربون في الكلية التقنية والمعهد الصناعي الثانوي نماذج لمشروعات تستفيد من الابتكار والذكاء الاصطناعي في السياحة والفندقة والضيافة.
كما شهدت الفعاليات توقيع مذكرة تفاهم بين الكلية التقنية بالعلا وجمعية ينبع السياحية التعاونية، تشمل التدريب والتأهيل وربط المتدربين بسوق العمل، وإقامة ورش متخصصة ودعم المشاريع والابتكار والتسويق للوجهات والمنتجات السياحية.
وفي الرياض، حضرت العلاقة بين التعليم وسوق العمل ضمن فعاليات كلية السياحة والآثار بجامعة الملك سعود، إلى جانب مناقشة السياحة في عصر الذكاء الاصطناعي والمسارات المهنية المتاحة للطلاب.
وتشير هذه التحركات إلى أن تأهيل القوى البشرية لم يعد ملفًا موازيًا للنمو السياحي، بل أحد متطلباته الأساسية.
البحر منتج سياحي
وفي السياحة الساحلية، يظهر مسار آخر يقوم على بناء البيئة التنظيمية بالتوازي مع تطوير المنتج.
فالهيئة السعودية للبحر الأحمر تعمل على تنظيم أنشطة السياحة الساحلية، بما يشمل اليخوت والكروز والغوص والرحلات البحرية والأنشطة المرتبطة بالمراسي، إلى جانب تطوير الخدمات الإلكترونية المتعلقة بالتراخيص والتصاريح.
ويعكس ذلك اتجاهًا نحو تحويل الساحل من مورد طبيعي وجغرافي إلى منتج سياحي منظم، له مشغلون ومعايير للسلامة والبيئة وجودة الخدمة.
الداخل يحتفظ بمكانه
وفي مقابل التقنية والمنتجات الجديدة، حافظت السياحة الداخلية والهوية المحلية على حضورهما.
ففي عنيزة، ركزت فعاليات سياحية على التعريف بتنوع الوجهات السعودية والمقومات الثقافية والتراثية والتجارب في مناطق المملكة، إلى جانب البرامج والأنشطة التفاعلية المرتبطة بالموروث الوطني.
وفي الباحة، برز الاهتمام بالإرشاد السياحي والتأهيل، بما يعكس أهمية العنصر البشري في تقديم المكان للزائر وتحويل المقومات الطبيعية والثقافية إلى تجربة سياحية متكاملة.
وهذا المسار يؤكد أن تطوير السياحة لا يرتبط فقط بالمشروعات الكبرى، بل يشمل أيضًا قدرة المناطق على تحويل خصوصيتها الثقافية والطبيعية إلى تجارب قابلة للاكتشاف.
الترفيه يوسع الجذب
ولا يمكن قراءة المشهد السياحي بمعزل عن صناعة الترفيه، حتى وإن لم تكن جميع فعالياتها تقدم تحت مظلة السياحة.
فالمواسم والبطولات والعروض والفعاليات الكبرى تضيف أسبابًا جديدة للسفر إلى المدن السعودية، وتوسع دائرة التجارب المتاحة للزائر.
وهنا يظهر تقاطع متزايد بين السياحة والترفيه والرياضة والثقافة؛ فالحدث يمكن أن يتحول إلى محرك للإشغال الفندقي وحركة الطيران والمطاعم والتنقل والإنفاق السياحي، إلى جانب قيمته الترفيهية الأساسية.
خمسة اتجاهات
وتكشف قراءة مجمل النقاشات والتحركات عن خمسة اتجاهات تتقدم في المشهد السياحي السعودي: استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات لفهم الزائر، وتأهيل الكفاءات وربطها بسوق العمل، ورقمنة الخدمات والإجراءات، وتنظيم المنتجات السياحية الجديدة وفي مقدمتها السياحة الساحلية، ورفع جودة التجربة مع الحفاظ على الهوية المحلية.
وتشير هذه الاتجاهات إلى أن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بإضافة مزيد من الوجهات إلى الخريطة، بل بكيفية تشغيلها وإدارتها وربطها بالسائح منذ اللحظة التي يبدأ فيها التفكير بالرحلة.
فالوجهة قد تجذب الزائر مرة، أما جودة التجربة والقدرة على فهم احتياجاته فهما ما يصنعان فرصة عودته إليها.

