تواجه الوجهات السياحية في الشرق الأوسط تحولًا في طبيعة المنافسة على الزوار، مع اتساع اهتمام المسافرين الآسيويين بالرحلات متوسطة التكلفة والوجهات الأقل شهرة، وتزايد أهمية الخدمات المصممة وفق احتياجات كل سوق. ويضع هذا التحول الوجهات السعودية والخليجية أمام فرصة لاستقطاب شرائح جديدة من السياح، تتجاوز الصورة التقليدية للمنطقة بوصفها مقصدًا للفنادق الفاخرة والمنتجعات مرتفعة التكلفة.
وكشفت منصة «أجودا» للحجوزات السياحية أن عمليات البحث عن وجهات الشرق الأوسط عبر منصتها ارتفعت بنسبة 20% خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، في مؤشر على تنامي الاهتمام بالمنطقة، دون أن يعني ذلك بالضرورة ارتفاع الحجوزات بالنسبة نفسها.
وأوضح طارق فاضل، نائب رئيس قطاع الإمداد في «أجودا»، في مقابلة نشرتها TTG Asia في 19 أكتوبر 2026، أن أسواق السياحة الإقليمية تشهد تنوعًا متزايدًا في جنسيات الزوار وخيارات الإقامة، مشيرًا إلى نمو الاهتمام القادم من الصين وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وماليزيا، إلى جانب الهند التي تظل من الأسواق المهمة.
المدن الصغيرة تدخل المنافسة
ولا يقتصر التغير على جنسيات المسافرين، بل يمتد إلى الوجهات التي يختارونها. فقد أظهرت بيانات «أجودا» أن اهتمام المسافرين بالمدن الثانوية في آسيا نما بوتيرة أسرع بنسبة 15% من المراكز السياحية التقليدية خلال عامين، فيما استحوذت تلك الوجهات على 34% من عمليات البحث عن الإقامة خلال النصف الأول من 2025.
وتكشف هذه الأرقام عن فرصة أمام المدن السعودية التي تمتلك مقومات طبيعية وثقافية وتراثية، مثل أبها والعلا والطائف والأحساء، لتوسيع حضورها في الأسواق الآسيوية، بشرط توفير خيارات إقامة متنوعة وربط جوي مناسب ومعلومات سياحية يسهل الوصول إليها.
غير أن هذه الفرصة لا تعني أن المدن السعودية سجلت بالفعل معدلات النمو الآسيوية نفسها، إذ تعكس الأرقام اتجاهًا عامًا في أسواق المنصة، وليس قياسًا مباشرًا لأداء الوجهات السعودية.
السعر لم يعد العامل الوحيد
ويبرز عامل التكلفة ضمن دوافع التحول، إذ أظهر تقرير «أجودا» لتوقعات السفر لعام 2026 أن 43% من المسافرين الذين يفضلون الوجهات الثانوية أشاروا إلى انخفاض التكاليف باعتباره الدافع الأول لاختيارها.
لكن انخفاض السعر ليس وحده ما يصنع القرار السياحي؛ فالتجارب الثقافية المحلية والأنشطة الطبيعية وسهولة التنقل أصبحت عناصر مؤثرة في اختيار الوجهة، وهو ما يفتح مجالًا أمام منشآت الضيافة الصغيرة والمتوسطة للمنافسة دون الحاجة إلى استثمارات فندقية فائقة الفخامة.
السعودية أمام فرصة مختلفة
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنسبة للسعودية، التي استقبلت نحو 122 مليون زائر محلي ودولي خلال 2025، بينهم قرابة 30 مليون زائر وافد، وفق الأرقام التي أوردها تقرير «ديلويت» للسفر لعام 2026.
ويشير التقرير إلى أن المنافسة السياحية في الشرق الأوسط تتجه نحو جودة التجربة، والتخصيص الرقمي، والاستدامة، بدل الاعتماد على زيادة أعداد الزوار وحدها.
ومن شأن هذا التوجه أن يعزز فرص الوجهات السعودية في الوصول إلى شرائح جديدة من المسافرين الآسيويين، خصوصًا إذا ترافقت مشروعات تطوير الوجهات مع خدمات متعددة اللغات وخيارات إقامة مناسبة للميزانيات المختلفة.
الذكاء الاصطناعي يغير الحجز
ويضيف الذكاء الاصطناعي بعدًا جديدًا للمنافسة، بعدما أشار فاضل إلى أن نحو 63% من المسافرين الآسيويين يقولون إنهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي عند التخطيط للرحلات.
ولم يعد البحث مقتصرًا على اسم الفندق أو تصنيفه، بل أصبح المسافر قادرًا على وصف التجربة التي يريدها، مثل رحلة قصيرة إلى وجهة هادئة تضم أنشطة طبيعية ومطاعم محلية وإقامة مناسبة للعائلة.
وهذا التحول يجعل جودة المعلومات الرقمية عن الوجهات والفنادق عنصرًا مؤثرًا في فرص ظهورها ضمن الاقتراحات التي تقدمها أدوات التخطيط الذكية.
التوطين يتجاوز الترجمة
وتكشف بيانات أخرى نشرتها «أجودا» في مايو 2026 أن الفنادق الأكثر تقدمًا في تكييف خدماتها مع الأسواق المختلفة سجلت أثرًا أقوى بنسبة 59% على مؤشر الإيراد لكل غرفة متاحة، وفق نتائج بحث المنصة.
ولا يقتصر تكييف الخدمات على ترجمة المواقع الإلكترونية، بل يشمل وسائل الدفع، وأنواع الطعام، وإجراءات الوصول والمغادرة، وفهم العادات وتوقيتات العطلات في الأسواق المستهدفة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الوجهات القادرة على فهم اختلافات المسافرين الآسيويين قد تحقق ميزة تنافسية تتجاوز حجم المنشآت ومستوى فخامتها.
منافسة على التجربة
وتكشف قراءة هذه الاتجاهات مجتمعة أن التحدي المقبل للسياحة الخليجية لن يكون في بناء مزيد من الفنادق وحده، وإنما في تحويل تنوع الوجهات إلى منتجات سياحية قابلة للحجز والوصول، وتقديم تجربة تلائم توقعات الزائر قبل وصوله وأثناء إقامته.
وبالنسبة للسعودية، قد يكون التوسع في الأسواق الآسيوية فرصة لتعزيز حضور المدن السياحية خارج المراكز الكبرى، وربط نمو السياحة بقطاعات الضيافة والنقل والخدمات المحلية.
فالسباق السياحي المقبل لا يتحدد فقط بمن يمتلك الوجهة الأكثر فخامة، بل بمن يستطيع تقديم التجربة الأنسب للمسافر، بالسعر المناسب، وباللغة والخدمة التي يفهمها.

