قمة مالطا تكشف مفارقات صناعة السفر بين ازدحام الوجهات وتراجع الجواز الورقي وصعود الذكاء الاصطناعي
قراءاة – طوالع
خرجت القمة العالمية السادسة والعشرون للمجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC)، التي اختتمت أعمالها أمس الجمعة في مالطا، بمشهد يحمل مفارقة لافتة؛ فالصناعة التي تسعى إلى استقطاب مزيد من المسافرين باتت تبحث في الوقت نفسه عن وسائل للحد من آثار كثرتهم، والقطاع الذي يتطلع إلى إلغاء الإجراءات التقليدية لا يزال يواجه صعوبة في ربط أنظمته، بينما تتسابق شركاته إلى الذكاء الاصطناعي دون أن تتخلى عن التأكيد على أهمية العنصر البشري.
ورصدت «طوالع»، في قراءة لمداولات القمة وتقاريرها، عددًا من المفارقات التي تتجاوز التصريحات إلى تحولات في مفهوم النجاح السياحي، ومعايير جودة السفر، والعلاقة بين المسافر والوجهة والتقنية.
وشهدت القمة، التي انعقدت في فاليتا خلال الفترة من 7 إلى 9 أكتوبر، مشاركة أكثر من ألف مسؤول وخبير، بينهم ما يزيد على 200 من القيادات التنفيذية وكبار المسؤولين، وبمشاركة أكثر من 100 متحدث، في وقت توقع فيه المجلس نمو قطاع السفر والسياحة عالميًا بنسبة 2.5% خلال العام الجاري.
زوار أكثر.. أم سياحة أفضل؟
برزت المفارقة الأولى في إعادة النظر في المقياس الذي اعتادت الوجهات السياحية الاحتفاء به؛ وهو عدد الزوار. فبينما تتنافس الدول على تسجيل أرقام قياسية في استقبال السياح، اتجهت المناقشات إلى البحث عن زائر يقيم مدة أطول، وينفق بصورة تدعم الاقتصاد المحلي، ويحترم هوية المجتمع الذي يزوره.
وعكست تصريحات مسؤولي السياحة في المكسيك وإسبانيا هذا التحول، من التركيز على حجم التدفقات السياحية إلى القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي يتركها الزائر.
غير أن النقاش كشف مفارقة أخرى داخل هذا التوجه نفسه؛ إذ حذر مشاركون من أن التركيز المفرط على السياح مرتفعي الإنفاق قد يجعل السفر امتيازًا للأثرياء، ويضعف طبيعته بوصفه نشاطًا متاحًا لفئات اجتماعية واسعة.
وهنا تبرز معادلة أكثر تعقيدًا تتمثل في كيفية تخفيف الضغط عن المواقع السياحية المزدحمة، دون أن تتحول الوجهات إلى أماكن لا يستطيع زيارتها سوى أصحاب الميزانيات المرتفعة.
مالطا.. نجاح يستدعي المراجعة
لم تكن الدولة المستضيفة بعيدة عن هذه المفارقة. فقد تجاوز عدد السياح الذين استقبلتهم مالطا أربعة ملايين زائر خلال عام 2025، محققين إنفاقًا يزيد على 3.9 مليار يورو، وفق ما أعلنه رئيس الوزراء المالطي روبرت أبيلا خلال القمة.
لكن أبيلا، وهو يستعرض هذه النتائج، دعا إلى الانتقال نحو سياحة أعلى جودة وقيمة وأكثر استدامة، مع مراعاة مصالح السكان والعاملين والأنشطة الاقتصادية المحلية.
وتكتسب هذه الدعوة دلالتها من أن السياحة أسهمت بنحو 16.6% من اقتصاد مالطا في عام 2025، ووفرت وظيفة من كل خمس وظائف تقريبًا.
وبذلك أصبحت الدولة التي استفادت اقتصاديًا من زيادة أعداد الزوار مطالبة بإدارة نتائج هذا النجاح، بما يحافظ على جاذبيتها وقدرة بنيتها التحتية ومجتمعاتها المحلية على استيعاب النمو.
الجواز يختفي.. والحدود باقية
وفي واحدة من أكثر المناقشات ارتباطًا بمستقبل تجربة المسافر، توقع الرئيس التنفيذي لمطارات دبي، بول غريفيثس، أن تتراجع الحاجة إلى استخدام جواز السفر بصورته التقليدية خلال السنوات الخمس المقبلة، مع تقدم تقنيات الهوية الرقمية والتعرف البيومتري.
غير أن المفارقة تكمن في أن العائق الأساسي، وفق طرحه، لم يعد توفر التقنية، وإنما قدرة المطارات والجهات الحدودية والدول على تنسيق أنظمتها وإجراءاتها.
فالمسافر يستطيع اليوم إتمام عمليات مالية معقدة خلال ثوانٍ، لكنه قد يقضي وقتًا طويلًا في إجراءات التحقق عند الحدود.
ولا يعني هذا التوجه إلغاء وثائق السفر أو المتطلبات القانونية خلال خمس سنوات بصورة مؤكدة، بل يعكس تصورًا تقنيًا لتقليل الحاجة إلى إبراز الجواز فعليًا، بشرط اكتمال الربط والاعتراف المتبادل بالهويات الرقمية.
الذكاء الاصطناعي.. خدمة تبحث عن الثقة
امتدت المفارقات إلى الذكاء الاصطناعي، الذي انتقل في نقاشات القمة من أداة تساعد المسافر على اختيار وجهته إلى أنظمة يُنتظر أن تنفذ الحجوزات والمدفوعات نيابة عنه.
وأوضحت ممثلة «غوغل» كريستي ترافرز سميث أن المرحلة المقبلة تتطلب بناء ثقة تسمح للمستخدم بتفويض الأنظمة الذكية في اتخاذ خطوات فعلية، بما فيها استخدام بيانات الدفع.
لكن تسهيل الحجز لا يلغي المخاوف المتعلقة بحماية البيانات، وصحة الاختيارات، والمسؤولية عن الأخطاء، خصوصًا عندما ينتقل النظام من تقديم الاقتراح إلى تنفيذ عملية مالية.
وتكشف هذه المسألة تحولًا في تجربة السفر؛ فبعد أن كانت المنافسة بين منصات الحجز تدور حول الأسعار وسهولة الاستخدام، قد تصبح الثقة في القرارات الآلية أحد المعايير المؤثرة في اختيار الخدمة.
التقنية تتقدم.. والإنسان مطلوب

وفي مفارقة تستحق التوقف عندها، أشار مزمل حسين، الرئيس التنفيذي لشركة «المسافر» السعودية، خلال مشاركته في القمة، إلى أن نحو 40% من حجوزات السفر في المملكة لا تزال تتم خارج القنوات الرقمية وبمساعدة بشرية، بحسب الرقم الذي عرضه خلال المناقشات.
وجاء ذلك في جلسات تتناول مستقبل الحجز الآلي والهوية الرقمية والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي.
وتشير هذه المقارنة إلى أن تطور الأدوات لا يعني بالضرورة استعداد جميع المسافرين للتخلي عن التواصل المباشر، خصوصًا في الرحلات المعقدة أو الحالات التي تتطلب تعديل الحجز ومعالجة المشكلات.
كما أكد قادة في قطاع الضيافة أن استخدام التقنية ينبغي أن يتيح للعاملين وقتًا أكبر للاهتمام بالنزلاء، بدلًا من اختزال الخدمة في التفاعل مع الأنظمة.
وهي مفارقة تختصر جانبًا من مستقبل السياحة؛ فكلما توسعت الأتمتة، ازدادت أهمية تحديد المواقف التي يحتاج فيها المسافر إلى تدخل إنساني حقيقي.
رفاهية متقدمة.. واحتياجات بسيطة
وفي قطاع الفنادق، كشفت المناقشات عن اتجاه متنامٍ نحو تجارب العافية وإطالة العمر، بما تتضمنه بعض المنشآت الفاخرة من تجهيزات وعلاجات وتقنيات متقدمة.
لكن المشاركين أعادوا الاهتمام إلى احتياجات أساسية قد تكون أكثر تأثيرًا في تجربة النزيل، مثل النوم الجيد، والغذاء الصحي، والإضاءة المناسبة، والقدرة على الراحة بعد الرحلات الطويلة.
والمفارقة هنا أن الفندق قد يستثمر في تجهيزات مرتفعة التكلفة لتقديم تجربة استثنائية، بينما يظل تحسين جودة النوم أو إزالة مصادر الإزعاج من الغرفة مطلبًا يوميًا لمختلف فئات المسافرين.
وتفتح هذه المقارنة مجالًا لإعادة تقييم مفهوم الفخامة الفندقية، بحيث لا يرتبط فقط بما تضيفه المنشأة من خدمات، وإنما بقدرتها على توفير الاحتياجات الأساسية بجودة ثابتة.
الاستدامة.. فاتورة النمو
لم تغب البيئة عن مداولات القمة، لكن حضورها جاء مرتبطًا بتحدٍ اقتصادي مباشر؛ فزيادة الرحلات والاستثمارات السياحية ترفع النشاط الاقتصادي، بينما تضاعف الحاجة إلى حماية الموارد الطبيعية وإدارة المياه والنفايات والانبعاثات.
وكشف تقرير أصدره المجلس خلال القمة أن قطاع السفر والسياحة استحوذ على 6.3% من انبعاثات الغازات الدفيئة في أوروبا عام 2024، رغم انخفاض كثافة الانبعاثات بنسبة 14.8% مقارنة بعام 2019.
كما توقع ارتفاع أعداد الوافدين الدوليين إلى أوروبا من نحو 757 مليونًا في 2025 إلى 1.14 مليار بحلول 2036.
وتوضح هذه الأرقام أن تحسين الكفاءة البيئية لا يحسم وحده تحديات التوسع؛ إذ تبقى إدارة الأعداد والموارد والخدمات المحلية جزءًا أساسيًا من استدامة الوجهات.
ما الذي تقوله المفارقات؟
تكشف قراءة «طوالع» أن القمة لم تكن مجرد اجتماع لمناقشة مستقبل السفر، بل أظهرت انتقال الصناعة إلى مرحلة تتطلب الموازنة بين أهداف كانت تبدو متوافقة في السابق.
فزيادة الزوار لم تعد تعني بالضرورة نجاحًا أكبر، وتطوير التقنية لا يضمن وحده رحلة أسهل، والتوسع في الخدمات الفاخرة لا يعوض القصور في الاحتياجات الأساسية، كما أن ارتفاع العائد الاقتصادي لا يعفي الوجهات من مسؤولية حماية مواردها ومجتمعاتها المحلية.
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة للوجهات السياحية الصاعدة، ومنها الوجهات السعودية التي تتوسع في الاستثمار والبنية التحتية والمنتجات السياحية؛ إذ تتيح الاستفادة من تجارب الأسواق الأكثر نضجًا، وتجنب بعض آثار النمو غير المتوازن قبل ظهورها.
أما بالنسبة للمسافر، فإن نتائج هذه التحولات لن تُقاس بحجم الاستثمارات أو عدد التطبيقات الجديدة، وإنما بما يلمسه من إجراءات أكثر وضوحًا، وخدمات موثوقة، وتجارب تحترم وقته وخصوصيته وميزانيته.
وتكشف قمة مالطا أن صناعة السياحة لم تعد تنظر إلى زيادة أعداد الزوار بوصفها نجاحًا بحد ذاته، بل أصبحت تبحث عن نمو يحقق العوائد الاقتصادية دون أن يرهق الوجهات أو يضر بمواردها ومجتمعاتها المحلية. فالتحدي لم يعد في جذب مزيد من السياح فحسب، وإنما في المحافظة على المقومات التي جعلت هذه الوجهات تستحق الزيارة أصلًا.

