لم تعد قائمة المسافر تبدأ بالمعالم وتنتهي بالأسواق. المطاعم دخلت بقوة في برنامج الرحلة، وأصبح اسم مطعم أو طبق بعينه سببًا لتغيير المسار، والوقوف في طابور طويل، وأحيانًا دفع فاتورة أعلى مقابل تجربة يتحدث عنها الجميع.
هكذا تشكل ما يعرف بـ«مطاعم الترند»؛ مطاعم لا تعتمد شهرتها على الطعام وحده، بل على صورة تنتشر، أو طبق مختلف، أو طريقة تقديم لافتة، أو ديكور صُمم ليظهر جيدًا أمام الكاميرا، قبل أن تتولى منصات التواصل دفع آلاف الزوار نحو المكان.
والأرقام تشير إلى أن الظاهرة تجاوزت كونها انطباعًا عابرًا. ففي تقرير اتجاهات السفر العالمي لعام 2026، قال أكثر من 75% من جيلَي الألفية وZ الذين شملهم الاستطلاع إنهم مرشحون للبحث خلال رحلاتهم عن أطعمة أو منتجات غذائية أصبحت رائجة على المنصات.
كما أظهر التقرير أن 66% ممن يبحثون عن الطعام المحلي أثناء السفر يفعلون ذلك لتجربة أشياء لا تتوافر في موطنهم، فيما أشار 45% إلى دعم الأنشطة المحلية باعتباره أحد دوافع الاختيار.
الخوارزمية تدخل الرحلة
تأثير المنصات لا يتوقف عند اختيار المطعم. ووفق مؤشر قيمة المسافر لعام 2025 الصادر عن «إكسبيديا»، بات 61% من المستهلكين يجدون أفكارًا لرحلاتهم عبر وسائل التواصل، مقارنة بـ35% في 2022، فيما قال 73% إن توصيات المؤثرين أثرت في قرارهم بحجز رحلة أو أحد مكوناتها.
وهذا يعني أن المطعم الذي ينجح في الوصول إلى شاشة المسافر قبل وصوله إلى المدينة يمتلك فرصة لأن يدخل برنامجه السياحي قبل أن تطأ قدماه الوجهة.
وتتكون الدائرة سريعًا: مقطع ينتشر، ثم زوار يصلون، فصور ومقاطع جديدة، ثم مزيد من المشاهدات والزوار. وبعد فترة قد لا يعود السؤال: أين نأكل في هذه المدينة؟ بل: أين المطعم الذي رأيناه على المنصات؟
الشهرة لها ثمن
لكن المسألة الأكثر إثارة تتعلق بالفاتورة.
فتقرير اتجاهات المطاعم لعام 2026 الصادر عن «أوبن تيبل» وجد أن 54% من الأمريكيين مستعدون لدفع سعر أعلى مقابل تجربة طعام تتمتع بأجواء فريدة، بينما يرى 58% أن قابلية المطعم للظهور بصورة جذابة على «إنستغرام» و«تيك توك» عامل مهم، وترتفع النسبة بين جيل الألفية إلى 79%.
ولم تعد المطاعم تخفي اهتمامها بهذا الجانب. ويشير التقرير نفسه إلى أن التصميم أصبح أكثر أهمية مع تحول «تيك توك» و«إنستغرام» إلى منصات لاكتشاف المطاعم، حتى باتت المساحات الداخلية تُهيأ لكي تبدو جيدة على الشاشة كما تبدو في الواقع.
كما ارتفع الإقبال على تجارب تناول الطعام الخاصة بنسبة 46% على أساس سنوي، فيما قال 48% من المشاركين إن وجود تجربة مميزة، مثل قائمة خاصة أو تعاون أو فعالية، يجعلهم أكثر ميلًا إلى زيارة المطعم.
وتصف كيت شاتز، مديرة تسويق المطاعم في «موموفوكو»، هذا التحول بالقول إنهم شهدوا ارتفاعًا كبيرًا في الاهتمام بتجارب الطعام، خصوصًا التجارب القائمة على التعاون بين الطهاة، مشيرة إلى أن ثلاث فعاليات من هذا النوع نفدت حجوزاتها بالكامل.
هل يدفع السائح أكثر؟
هنا ينبغي التفريق بين أمرين.
لا توجد دلالة كافية للقول إن مطعم الترند يرفع أسعاره لمجرد أن زبائنه سياح، لكن البيانات تشير بوضوح إلى أن شريحة من الزبائن مستعدة أصلًا لدفع المزيد عندما تتحول الوجبة إلى «تجربة».
وهذا الفارق مهم بالنسبة للمسافر.
فالمقيم يستطيع تجاوز المطعم والعودة إليه لاحقًا، أما السائح الذي يملك ثلاثة أو أربعة أيام في المدينة فيتعامل مع الوقت بطريقة مختلفة. وقد يصبح أكثر استعدادًا للانتظار والإنفاق لأنه لا يشتري وجبة فقط، وإنما تجربة يريد أن يعيشها خلال فترة محدودة.
ومن هنا تدخل الشهرة في الفاتورة، ليس بالضرورة كسعر مكتوب تحت اسم الطبق، وإنما في استعداد الزائر لدفع المزيد مقابل المكان والأجواء والصورة والتجربة المرتبطة باسم المطعم.
حالة عالمية
ومطاعم الترند ليست ظاهرة عربية أو خليجية. البيانات الأمريكية والبريطانية والأسترالية تظهر حضور العامل نفسه بدرجات متفاوتة.
ففي بريطانيا، وجد «أوبن تيبل» أن 45% مستعدون لدفع سعر أعلى مقابل تجربة ذات أجواء فريدة، فيما قال 39% إن أجواء المكان لا تقل أهمية عن الطعام والشراب عند اختيار المطعم.
وفي أستراليا، بلغت نسبة المستعدين لدفع علاوة مقابل التجربة ذات الأجواء الفريدة 31%، بينما رأى 45% أن الأجواء توازي الطعام والشراب في أهميتها عند الاختيار.
ما يختلف بين مدينة وأخرى ليس وجود الظاهرة بقدر ما يختلف حجمها وطريقة ظهورها.
المطعم الآخر
ومقابل مطعم الترند، يبقى على بعد شارع أو شارعين غالبًا مطعم آخر لا ينتظر أمامه طابور، ولا يظهر باستمرار في المقاطع، ويرتاده سكان المدينة أكثر من زوارها.
وقد يقدم تجربة محلية أفضل وبفاتورة أقل، وقد لا يفعل.
فالشهرة ليست دليلًا على سوء المطعم، مثلما أن غيابها ليس شهادة على جودته. لكنها أضافت معيارًا جديدًا إلى قرار المسافر لم يكن بهذه القوة سابقًا: هل المكان يستحق التجربة، أم أن الجميع يذهبون إليه لأن الجميع يذهبون إليه؟
مطاعم الترند أصبحت جزءًا من السياحة الحديثة، والمنصات ساعدت المسافر على اكتشاف أماكن ربما لم يكن ليعرفها قبل سنوات. لكنها في الوقت نفسه نقلت جزءًا من قرار اختيار المائدة من المسافر إلى الخوارزمية.

