يتحول الترانزيت في عدد متزايد من دول العالم من ساعات انتظار بين رحلتين إلى منتج سياحي قائم بذاته، مع توسع برامج تستهدف إخراج المسافر العابر من المطار إلى المدينة، عبر تسهيلات الدخول والإقامة والجولات السياحية، في سباق يتجاوز المنافسة التقليدية بين المطارات وشركات الطيران إلى المنافسة على إنفاق المسافر نفسه.
ولا تعد الفكرة حديثة؛ إذ تعود إحدى أبرز تجاربها المبكرة إلى آيسلندا، التي بنت على موقعها بين أوروبا وأميركا نموذجًا يسمح للمسافرين بالتوقف في البلاد خلال رحلاتهم عبر الأطلسي. ومع مرور السنوات انتقلت الفكرة من مجرد تمديد مدة الرحلة إلى منتج تسويقي تستخدمه وجهات ومراكز طيران مختلفة لجذب المسافرين العابرين.
وفي سنغافورة، يعود برنامج الجولات المجانية لمسافري الترانزيت إلى عام 1987، بهدف تعزيز جاذبية مطار شانغي مركزًا للربط، وإتاحة فرصة للمسافر لاكتشاف المدينة خلال فترة انتظاره. وبعد توقف البرنامج خلال جائحة كورونا، أعيد إطلاقه في 2023، فيما تواصل سنغافورة تطوير برامج التوقف مستفيدة من الحجم الكبير لحركة العبور والتحويل عبر المطار.
واتجهت دول أخرى إلى النموذج نفسه بصيغ مختلفة؛ فأطلقت إثيوبيا في 2018 حزم توقف للمسافرين عبر أديس أبابا، تشمل تسهيلات للدخول والإقامة والأنشطة السياحية، بهدف تحويل جزء من حركة العبور إلى زيارات داخل البلاد. كما تقدم تركيا برامج إقامة لبعض ركاب الرحلات الدولية الذين تسمح مدة توقفهم في إسطنبول بذلك.
السعودية تدخل السباق
وفي السعودية، اتخذ التوجه شكلًا رسميًا في يناير 2023 مع إطلاق «تأشيرة المرور للزيارة» للقادمين جوًا، بما يسمح للمسافر العابر بدخول المملكة والتنقل وحضور الفعاليات السياحية وأداء العمرة وزيارة المسجد النبوي.
وجاء إطلاق التأشيرة ضمن توجه يستفيد من موقع المملكة بين القارات ومن توسع شبكات الطيران، بهدف جعلها محطة جذب للعابرين إلى جانب كونها وجهة نهائية للسفر. وتتيح تأشيرة التوقف المرتبطة بالناقلات الوطنية المؤهلة الإقامة لمدة تصل إلى 96 ساعة، ما يفتح أمام المسافر فرصة تحويل رحلة العبور إلى زيارة قصيرة.
لماذا تريد الدول المسافر العابر؟
اقتصاديًا، يحمل سائح الترانزيت ميزة مختلفة: فهو مسافر وصل بالفعل إلى الدولة، ودفع ثمن رحلته، واختار مطارها نقطة عبور؛ وبالتالي لا تبدأ المنافسة معه من قرار السفر، وإنما من قرار أبسط: هل يقضي الساعات أو الأيام الفاصلة داخل المطار أم خارج بواباته؟
خروج المسافر يعني ليلة فندقية محتملة، ونقلًا ومطاعم وتسوقًا وزيارات لمواقع سياحية، فيما تمنح الزيارة القصيرة الوجهة فرصة للتعريف بنفسها أمام مسافر ربما لم تكن مدرجة أصلًا ضمن خطته السياحية.
وتفسر هذه المعادلة اتجاه البرامج الحديثة إلى الجمع بين شركة الطيران والمطار والجهات السياحية والفنادق، بدل الاكتفاء بتسهيل إجراءات العبور.
الأرقام تختبر الفكرة
وتقدم قطر مثالًا على نمو هذا السوق؛ إذ سجل برنامج التوقف أكثر من 10,500 زائر خلال يناير 2025، مقارنة بـ6,651 زائرًا في الشهر نفسه من العام السابق، فيما ارتفع عدد مستخدمي البرنامج بنسبة 165% خلال الفترة من أبريل 2024 إلى يناير 2025 مقارنة بالفترة المماثلة، وتجاوزت الحجوزات المرتبطة به 100 ألف ليلة فندقية.
وفي آيسلندا، ارتبط برنامج التوقف طويل الأمد باستراتيجية شركة الطيران للاستفادة من موقع البلاد على خطوط السفر بين أوروبا وأميركا، وتحويل نقطة الربط الجغرافية إلى فرصة لزيارة الوجهة بدل المرور فوقها أو عبر مطارها فقط.
تجارب تتوقف.. ثم تعود
ورغم اتساع التجربة، لا يعني ذلك أن جميع البرامج استمرت دون انقطاع. فقد توقفت جولات الترانزيت في سنغافورة لنحو ثلاث سنوات خلال ظروف جائحة كورونا، لكنها عادت في أبريل 2023، وهو ما يقدم فارقًا مهمًا بين توقف البرنامج لظروف استثنائية وبين التخلي عن النموذج لعدم جدواه.
ولا يظهر، ضمن التجارب الدولية البارزة، اتجاه واسع لدول تبنت سياحة الترانزيت ثم تخلت عنها بسبب فشل الفكرة؛ بل تميل نماذج عديدة إلى العودة أو التوسع أو إعادة تصميم المنتج، وهو مؤشر يستحق القراءة دون اعتباره وحده دليلًا على نجاح جميع البرامج.
المطار لم يعد محطة فقط
ويضع هذا التحول المطارات المحورية أمام منافسة جديدة. فعدد الوجهات وسرعة الربط وأسعار التذاكر تظل عوامل رئيسية في اختيار مسار الرحلة، لكن قدرة الدولة على منح المسافر تجربة قصيرة خارج المطار أصبحت عنصرًا إضافيًا في هذه المنافسة.
ولا تكمن قيمة سائح الترانزيت فقط في إنفاقه خلال ساعات أو أيام التوقف؛ فالزيارة الأولى قد تعمل بوصفها تجربة مصغرة للوجهة، وتدفع المسافر إلى العودة في رحلة مستقلة أطول.
وهنا يتغير مفهوم الترانزيت نفسه: المسافر العابر لم يعد مجرد رقم يمر عبر بوابات المطار، بل زائر محتمل تتنافس الدول على إقناعه بأن تكون محطة رحلته جزءًا من الرحلة نفسها.

