في شارع الناصرية بالرياض، لم يكن «فندق السعودية» مجرد غرف ينزل فيها القادمون إلى العاصمة. كان واحداً من تلك الأماكن التي التصقت بذاكرة المدينة، وعرفها المسافرون والزوار وسكان الرياض قبل أن تتغير ملامح الشوارع وتتسع المدينة بعيداً عن حدودها القديمة.
واليوم يعود الاسم إلى الذاكرة، وإن اختفى من الواجهة.
فالمبنى الذي ظل معروفاً باسم «فندق السعودية» لأكثر من أربعة عقود، خضع لعملية تطوير شاملة اكتملت خلال عام 2026، ليبدأ حياة جديدة باسم Howard Johnson by Wyndham Riyadh Al Nasiriyah، ويضم 99 غرفة، ضمن تحول يعيد الفندق إلى سوق الضيافة في الرياض بصورة مختلفة.
لكن قصة المكان أقدم من غرفه الجديدة.
طاولة بقيت ربع قرن
في أرشيف الصحافة السعودية ما يكشف جانباً آخر من الفندق لا يظهر في إعلانات الحجوزات.
فقد احتضن «فندق السعودية» في الناصرية جلسة ثقافية وأدبية امتدت قرابة ربع قرن أو أكثر، ووُثقت لاحقاً في كتاب حمل اسم «سيرة طاولة.. جلسة فندق السعودية بالرياض» لمؤلفه هزاع بن عيد الشمري.
لم تكن الجلسة صالوناً رسمياً أو مناسبة معدة سلفاً؛ بل طاولة تجمع حولها الأدباء والباحثون والمثقفون، وتدور عندها الأحاديث والنقاشات والاختلافات، حتى تحولت مع مرور السنوات إلى جزء من الذاكرة الثقافية للمكان.
ووثقت صحيفة «الجزيرة» عام 2009 هذه الجلسة، مشيرة إلى مرور أكثر من مئتي شخصية في صفحات الكتاب الذي سجل أسماء روادها وحكاياتهم.
الناصرية كما كانت
ومع الفندق تعود صورة الناصرية نفسها.
الحي الذي كان قريباً من قلب الحركة الحكومية والاجتماعية في الرياض، وارتبط اسمه بشارع الناصرية ومعهد العاصمة ومقار حكومية ومعالم عرفت بها المدينة في مراحل سابقة. وتشير مواد توثيقية عن تاريخ الحي إلى «فندق السعودية» باعتباره أحد المعالم المشهورة على شارع الناصرية.
ولهذا فإن إعادة افتتاح المبنى ليست مجرد تبديل لوحة على واجهة فندق؛ إنها تذكير بما تفعله المدن بأماكنها القديمة.
تتغير الأسماء، وتتبدل الواجهات، وتدخل العلامات العالمية، لكن الذاكرة تحتفظ باسمها الأول.
الفندق الجديد.. والاسم القديم
التحول الجديد أبقى المبنى في موقعه بالناصرية، لكنه أعاده بصورة حديثة تحت علامة «هوارد جونسون» التابعة لـ«ويندهام». ويضم الفندق بعد تطويره 99 غرفة، ومرافق للاجتماعات ومطعماً ومسبحاً خارجياً ومركزاً للياقة، بعد عملية تحديث شاملة انتهت هذا العام.
وبين الفندق الذي يستقبل ضيوفه اليوم، و«فندق السعودية» الذي عرفه زوار الرياض قبل عقود، مسافة زمنية طويلة.
غير أن بعض الأماكن لا تغادر المدينة عندما تتغير لافتاتها.
ففي ذاكرة كثيرين سيبقى ذلك المبنى، ببساطة: فندق السعودية.

