تكتسب الرحلات العائلية طابعًا مختلفًا مع تزايد الاهتمام بتجارب سياحية تمنح الأمهات والجدات أولوية اختيار الوجهات والأنشطة، في توجه يعيد توزيع الأدوار داخل الأسرة، ويجعل تحقيق أمنيات الأم واستعادة ذكرياتها جزءًا رئيسيًا من تجربة السفر.
ويُعرف هذا النمط باسم «رحلات الأم المحورية» (Matriarch Trips)، ويقوم على تصميم الرحلة حول رغبات الأم أو الجدة واهتماماتها، بدلًا من البرامج التقليدية التي تتولى فيها الأم غالبًا مسؤولية التخطيط وتنسيق احتياجات بقية أفراد الأسرة.
رحلات تستعيد الذكريات
تتنوع هذه التجارب بين زيارة المدن التي عاشت فيها الأمهات خلال طفولتهن، والعودة إلى مواقع ارتبطت بتاريخ الأسرة، والسفر إلى وجهات ظلت ضمن أمنياتهن سنوات طويلة.
وتبرز شواطئ نورماندي الفرنسية نموذجًا للوجهات التي يمكن أن تجمع السياحة باستعادة التاريخ العائلي، خصوصًا للأسر التي ارتبطت ذكرياتها بأحداث الحرب العالمية الثانية، فيما تقدم الجزر اليونانية نموذجًا مختلفًا لرحلات تحقق رغبات شخصية مؤجلة في الاستجمام واكتشاف الوجهات البحرية.
ولا تقتصر أهمية هذه الرحلات على المعالم السياحية، بل تمتد إلى الأحاديث والذكريات التي يتبادلها أفراد الأسرة خلال السفر، بما يمنح الأبناء فرصة للتعرف على جوانب من حياة أمهاتهم لم تتح لهم معرفتها من قبل.
الأم تختار والأبناء ينظمون
ويختلف هذا النمط عن الرحلات العائلية المعتادة في توزيع المسؤوليات؛ إذ تصبح الأم صاحبة القرار في اختيار الوجهة وطبيعة الأنشطة، بينما يتولى الأبناء ترتيبات الحجوزات والإقامة والتنقل.
وتكتسب هذه الترتيبات أهمية خاصة عند السفر مع الأمهات والجدات الأكبر سنًا، حيث تتطلب الرحلات مراعاة القدرة على الحركة، واختيار الفنادق المناسبة، وتقليل التنقلات الطويلة، وتوفير فترات كافية للراحة.
كما تتيح الإقامة لفترات أطول في وجهة واحدة فرصة للاستمتاع بالرحلة دون التقيد بجدول يومي مزدحم، بما يمنح الأسرة وقتًا أوسع للتواصل.
الذاكرة العائلية منتج سياحي
ويفتح هذا المفهوم مجالًا أمام شركات السياحة والفنادق لتطوير برامج تستهدف العائلات متعددة الأجيال، من خلال الجمع بين الإقامة المريحة والأنشطة الثقافية والزيارات المرتبطة بالتاريخ الشخصي للأسرة.
وقد تتحول زيارة حي قديم أو منزل سابق أو سوق شعبي إلى تجربة ذات قيمة خاصة عندما يرتبط المكان بذكريات الأم أو الجدة، وهو ما يمنح الرحلة بعدًا يتجاوز مشاهدة المعالم والتقاط الصور.
كما يتيح هذا النمط فرصًا لتطوير خدمات سياحية أكثر مرونة، تراعي اختلاف الأعمار والاهتمامات داخل الأسرة، وتوفر خيارات إقامة وتنقل وأنشطة تناسب كبار السن دون أن تفقد الرحلة طابعها الجماعي.
فرص للسياحة السعودية
وفي السعودية، تتوافر مقومات يمكن توظيفها في تطوير هذا النمط من الرحلات، خصوصًا في المناطق التاريخية والقرى التراثية والوجهات الطبيعية التي تحتفظ بصلات وثيقة بذاكرة الأجيال.
وتتيح وجهات مثل الدرعية والأحساء والعلا وعسير فرصًا لتنظيم رحلات تجمع الأمهات والأبناء حول تجارب تراثية وثقافية، تشمل زيارة الأسواق القديمة والمواقع التاريخية والتعرف على الحرف التقليدية والمأكولات المحلية.
ويمكن أن تمتد هذه التجارب إلى القرى التي نشأت فيها الأمهات والجدات، أو المواقع التي ارتبطت بمراحل من حياتهن، بما يحول الرحلة إلى فرصة لاستعادة الذكريات وتعريف الأبناء بتاريخ أسرهم.
كما يستطيع قطاع الضيافة الاستفادة من هذا المفهوم عبر تقديم برامج عائلية تراعي احتياجات الأمهات الأكبر سنًا، وتجمع بين الراحة والخصوصية والأنشطة الثقافية والترفيهية.
ورغم أن «رحلات الأم المحورية» لا تزال مفهومًا سياحيًا تتناوله التقارير المتخصصة من خلال تجارب فردية، دون بيانات كافية لقياس انتشاره عالميًا، فإنها تقدم تصورًا مختلفًا للسفر العائلي، تصبح فيه رغبات الأم وذكرياتها نقطة الانطلاق، وتتحول الرحلة من مجرد زيارة وجهة سياحية إلى تجربة مشتركة تعزز الروابط بين الأجيال.

