السعودية تدعم رقمنة التراث عالميًا.. والعلا والدرعية وجدة التاريخية تقدم تجارب جديدة للزوار
لم تعد زيارة المواقع التاريخية تقتصر على التجول بين المباني القديمة وتأمل النقوش والآثار، فقد بدأت السياحة التراثية مرحلة جديدة تتيح للزائر استكشاف التاريخ عبر هاتفه المحمول، والتفاعل مع المعالم باستخدام الخرائط الذكية والجولات الافتراضية والتقنيات ثلاثية الأبعاد، في تحول يعيد تشكيل العلاقة بين السائح والمكان.
ويفتح هذا التحول أمام الوجهات التراثية فرصًا لتقديم تجارب أكثر عمقًا، تتجاوز المعلومات التقليدية واللوحات التعريفية، لتمنح الزائر تصورًا عن الحياة التي شهدتها المواقع التاريخية، وتساعده على فهم قيمتها الثقافية والمعمارية.
السعودية في قلب التحول
برز الدور السعودي في رقمنة التراث العالمي من خلال دعم وزارة الثقافة لمنصة «الغوص في التراث» التابعة لمنظمة اليونسكو، التي أُطلقت في يوليو 2025، وتتيح استكشاف مواقع التراث العالمي باستخدام النماذج ثلاثية الأبعاد والخرائط والوسائط التفاعلية.
ولا يقتصر المشروع على تقديم تجربة رقمية للزوار، بل يمتد إلى توثيق المواقع التراثية والمساعدة في مراقبتها والمحافظة عليها، بما يجعل التقنية أداة لحماية التاريخ إلى جانب التعريف به.
العلا.. التاريخ يتجاوز المكان
في العلا، انتقلت تجربة التراث إلى العالم الافتراضي من خلال مشروع رقمي أعاد إنشاء مقبرة لحيان بن كوزا في موقع الحِجر الأثري، ضمن بيئة الميتافيرس.
وأتاحت التجربة للمستخدمين استكشاف المعلم التاريخي بصورة افتراضية، بما في ذلك الدخول إلى أجزاء لا يمكن للزائر دخولها خلال الزيارة الفعلية.
وتوفر منصة «استكشف العلا» كذلك بوابة رقمية تجمع حجز التجارب السياحية والمواقع التراثية والفعاليات والإقامة، لتصبح التقنية جزءًا من رحلة السائح قبل وصوله إلى الوجهة.
الدرعية.. التاريخ يروي نفسه
وفي حي الطريف التاريخي بالدرعية، تتيح الجولات الصوتية الذاتية للزائر استكشاف المعالم باستخدام هاتفه المحمول، والاستماع إلى القصص المرتبطة بتاريخ المكان.
وتعكس هذه التجربة اتجاهًا نحو منح السائح حرية تحديد مساره ووتيرة جولته، بدل الاعتماد الكامل على المرشد التقليدي، مع الاحتفاظ بقيمة السرد التاريخي الذي يمنح المباني والأحياء القديمة معناها.
جدة التاريخية.. دليل في الهاتف
وفي جدة التاريخية، أطلقت وزارة الثقافة تطبيقًا رقميًا يتيح للزوار التخطيط لمساراتهم والتنقل بين المعالم عبر الخرائط التفاعلية، والاطلاع على معلومات تاريخية موثقة، إلى جانب متابعة الأنشطة والفعاليات.
ويقدم التطبيق محتوى بعدة لغات، بما يساعد الزوار من خلفيات مختلفة على فهم تاريخ المنطقة وتفاصيلها العمرانية والثقافية.
تجارب عالمية تتجاوز المشاهدة
وعالميًا، شهد موقع أفبري الأثري في بريطانيا تجربة مختلفة، مع إطلاق ألعاب رقمية تفاعلية خلال يوليو 2025، تتيح للزوار اكتشاف القصص الأثرية وحل الألغاز والتفاعل مع عناصر من التاريخ باستخدام الهواتف وتقنيات الواقع المعزز.
وتكشف هذه التجربة كيف يمكن تحويل الزيارة التراثية من جولة للمشاهدة إلى نشاط استكشافي يشارك فيه الزائر، بما قد يجذب فئات جديدة، خصوصًا العائلات والأجيال الأصغر سنًا.
فرص اقتصادية وأسئلة مفتوحة
وتفتح رقمنة التراث فرصًا أمام الوجهات السياحية لتطوير خدمات جديدة، تشمل الأدلة الرقمية والجولات التفاعلية والمحتوى متعدد اللغات، إلى جانب إتاحة استكشاف المواقع عن بُعد قبل اتخاذ قرار السفر.
لكن هذه الفرص تطرح تساؤلات بشأن تكلفة تطوير التقنيات وصيانتها، وقدرة المواقع التراثية الصغيرة على تبنيها، ومدى ملاءمتها لكبار السن والزوار الذين يفضلون التجربة المباشرة.
كما يظل قياس أثر هذه الخدمات في أعداد الزوار ومدة إقامتهم وإنفاقهم السياحي مسألة تحتاج إلى بيانات تشغيلية ودراسات ميدانية، فلا يكفي إطلاق التطبيقات لإثبات تحقيق عوائد سياحية إضافية.
التقنية لا تلغي أصالة المكان
ورغم اتساع استخدام الأدوات الرقمية، فإن القيمة الأساسية للسياحة التراثية تظل مرتبطة بالموقع نفسه، وبما يحمله من ذاكرة إنسانية وعناصر معمارية وحكايات اجتماعية.
فالواقع الافتراضي يستطيع إعادة تصور مبنى اندثر، والتطبيق الذكي يمكنه شرح تاريخ أحد الأحياء، لكنهما لا يعوضان بالكامل التجربة الحسية للمكان أو التواصل مع سكانه ومرشديه وحرفييه.
ومن هنا يتجه مستقبل السياحة التراثية إلى الجمع بين أصالة المواقع وإمكانات التقنية، بحيث تصبح الأدوات الرقمية وسيلة لإثراء الزيارة وحماية التراث، لا بديلًا عن التجربة الحقيقية.

