منذ أكثر من خمسة آلاف عام، شكّلت جزيرة دارين وتاروت محطة بحرية وتجارية بارزة في الخليج العربي، إذ كانت السفن تصل إلى ميناء دارين محمّلة بالمسك والعطور والمنسوجات والتوابل، لتتحول الجزيرة إلى مرفأ نابض وسوق نشطة للتبادل التجاري. واليوم، تستعيد الجزيرة هذا الدور الاقتصادي بروح جديدة، مستندة إلى إرثها التاريخي ومواقعها التراثية التي يتجاوز عددها 11 موقعًا، إلى جانب سواحلها ومواردها الطبيعية، لتفتح الطريق أمام مستقبل استثماري تقوده السياحة والضيافة والمشروعات المرتبطة بالتراث والبيئة.
وفي هذا السياق، تأتي مذكرة التفاهم بين المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي ومؤسسة تطوير جزيرة دارين وتاروت، ضمن مسار يستهدف تهيئة الجزيرة لتنمية تراعي قيمتها البيئية بالتوازي مع المشروعات والفرص الاستثمارية المرتقبة.
وتشمل المذكرة بناء قاعدة متكاملة للمعلومات والدراسات المتعلقة بجودة الهواء والمياه والتربة والضوضاء، وتحديد المواقع ذات الأولوية للرصد والمعالجة، إلى جانب تطوير برامج ومحطات المراقبة البيئية، ووضع آلية لتصنيف الأنشطة والمشروعات بيئيًا وقياس مستوى أدائها.
كما يشمل التعاون تنظيم أعمال التفتيش والإبلاغ عن الحوادث والمخالفات، وتنفيذ برامج تدريبية وتوعوية، ودعم المبادرات الهادفة إلى الحد من التلوث، والاستعداد المشترك للطوارئ البيئية، مع تشكيل لجنة لمتابعة المشروعات وتحويل نتائج الرصد والدراسات إلى خطط قابلة للتنفيذ.
وأكد الرئيس التنفيذي للمركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي المهندس علي الغامدي أن التعاون يعزز حماية بيئة دارين وتاروت عبر توظيف بيانات الرصد والمراقبة، ورفع مستوى الالتزام بالاشتراطات والمعايير البيئية، ودعم الجاهزية والاستجابة للحوادث والطوارئ، بما يحمي الأوساط البحرية والساحلية ويواكب التوجه التنموي للجزيرة.
وتمنح هذه الخطوات المشروعات المستقبلية أرضية تجمع بين الاستثمار والمحافظة على البيئة، خصوصًا في قطاعات السياحة والضيافة والأنشطة المرتبطة بالساحل والتراث، وهي عناصر تشكل جانبًا رئيسيًا من هوية الجزيرة وفرصها الاقتصادية.
وبين الميناء الذي حمل قبل قرون روائح المسك والعطور، والمشروعات التي تتشكل اليوم حول السياحة والتراث والبيئة، تحتفظ دارين وتاروت بأصل الحكاية الاقتصادية نفسها: موقع بحري صنع قيمته قديمًا، ويمنح الجزيرة اليوم مساحة جديدة لجذب الزوار والاستثمارات.

