ضبطيات أمنية تكشف استغلال عقود الزواج عبر الحدود.. وتقارير أممية تحذر من الاحتيال والاتجار بالبشر
تعيد عمليات تفكيك شبكات الزواج الصوري والاتجار بالبشر، التي كشفت عنها وزارة العدل الأمريكية ووكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون القضائي «يوروجست»، تسليط الضوء على الوجه الخفي للزواج المرتبط بالسفر، وما يُعرف بـ«الزواج السياحي»، وسط مخاوف من استغلال الوسطاء للعلاقات الزوجية وتحويلها إلى تجارة عابرة للحدود.
وتكشف القضايا التي طالت شبكات متهمة بترتيب أكثر من ألف زواج صوري، وأخرى ارتبطت باستقطاب النساء وتسهيل انتقالهن بين الدول، عن أساليب متعددة لاستغلال الزواج لتحقيق مكاسب مالية، وإن اختلفت طبيعة هذه الجرائم عن الزواج السياحي بمفهومه الضيق.
وتتقاطع هذه الوقائع مع تقارير ودراسات أممية تناولت الزواج القسري والاتجار بالبشر، محذرة من استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية، واستخدام عقود الزواج غطاءً للخداع والإكراه والاستغلال الجنسي، بما يفتح ملفًا أوسع حول نشاط السماسرة والوسطاء والثغرات القانونية التي تسمح باستمرار هذه الممارسات.
وفي أكتوبر 2026، أعلنت النيابة الفيدرالية الأمريكية توجيه اتهامات إلى ستة أشخاص في قضية شبكة يُشتبه في تنظيمها زيجات صورية على مدى أكثر من عشر سنوات، مقابل مبالغ تراوحت بين 38 و40 ألف دولار للزواج الواحد. وبحسب وثائق القضية، استخدمت الشبكة عقودًا مالية وصورًا مشتركة وحسابات مصرفية لإظهار العلاقات بصورة حقيقية أمام سلطات الهجرة، فيما تشير التحقيقات إلى تحقيق القائمين عليها عوائد بملايين الدولارات، مع استمرار الإجراءات القضائية.
وسبقتها قضية أعلنت عنها وزارة العدل الأمريكية في أغسطس 2026، عندما وجهت اتهامات إلى 11 شخصًا بالتآمر لتنظيم أكثر من ألف زواج صوري خلال ما يزيد على عقد، وصلت تكلفة بعض الزيجات إلى 100 ألف دولار. وشاركت في التحقيقات جهات من بينها مكتب التحقيقات الفيدرالي «FBI»، وتحقيقات الأمن الداخلي «HSI»، ودائرة خدمات المواطنة والهجرة، فيما كشفت وثائق الاتهام عن استخدام صور مصطنعة ومستندات مالية مشتركة وتدريب المشاركين على تقديم إجابات مضللة خلال مقابلات الهجرة.
وفي عملية أمنية دولية سابقة، أعلنت وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون القضائي «يوروجست»، في فبراير 2024، توقيف 15 مشتبهًا بهم في شبكة متهمة بتنظيم 133 زواجًا صوريًا، بمشاركة سلطات أمنية وقضائية أوروبية وبدعم من وكالة الشرطة الأوروبية «يوروبول». وأظهرت التحقيقات أن نشاط الشبكة امتد إلى استقطاب نساء وحجز تذاكر الطيران وتوفير وثائق السفر وتنظيم انتقال الأطراف لإتمام الزيجات، مع شبهات إضافية تتعلق بالاتجار بالبشر وإجبار بعض الضحايا على الزواج وغسل الأموال.
وفي أحدث الدراسات المنهجية ذات الصلة، أصدرت منظمة العمل الدولية في أكتوبر 2025، بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة ومؤسسة «ووك فري»، تقريرًا بشأن الأسس الإحصائية لقياس العمل القسري والزواج القسري عالميًا. وتناول التقرير التحديات المرتبطة بضعف الإبلاغ عن حالات الاستغلال وصعوبة الوصول إلى الضحايا، خصوصًا عندما تكون الضحية واقعة تحت ضغوط اقتصادية أو اجتماعية. ولم يقدم التقرير إحصاءً مستقلًا للزواج السياحي.
وفي تقريره العالمي لعام 2024، تناول مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أنماط الاتجار بالبشر، استنادًا إلى حالات مكتشفة خلال الفترة من 2020 إلى 2023، شملت بيانات من 156 دولة. وأبرز التقرير تنوع أساليب الاستغلال وحركة الضحايا عبر الحدود، بما يعزز أهمية التمييز بين الزواج المشروع والزيجات التي تُستخدم لإخفاء جرائم الاتجار بالبشر.
وتشير التقديرات العالمية المشتركة لمنظمة العمل الدولية والمنظمة الدولية للهجرة ومؤسسة «ووك فري»، المنشورة عام 2022، إلى أن نحو 22 مليون شخص كانوا يعيشون في زيجات قسرية خلال عام 2021، بزيادة بلغت نحو 6.6 مليون شخص مقارنة بالتقديرات السابقة لعام 2016. وأظهرت التقديرات أن الضغوط الأسرية كانت عاملًا رئيسيًا في أكثر من 85% من حالات الزواج القسري، ما يؤكد اتساع الظاهرة عالميًا، مع التأكيد أن هذه الأرقام لا تمثل عدد ضحايا الزواج السياحي تحديدًا.
وتكشف المقارنة بين القضايا الجنائية والدراسات الدولية عن أساليب متكررة في استغلال الزواج، تبدأ باستقطاب أشخاص يبحثون عن فرص اقتصادية أو إقامة أو ارتباط، ثم تدخل الوسطاء لترتيب العلاقات مقابل مبالغ مالية. وقد تشمل الممارسات الإجرامية تزوير المستندات، وتقديم معلومات مضللة للسلطات، واستغلال حاجة أحد الأطراف، أو ممارسة ضغوط لإتمام الزواج رغم غياب الموافقة الحرة.
وتشير دراسات قضائية دولية إلى أن اختلاف التشريعات بين الدول قد يوفر فرصًا للشبكات المنظمة لاستغلال الثغرات القانونية، خصوصًا في إجراءات توثيق الزواج والإقامة والتنقل، ما يزيد تعقيد الملاحقات القضائية العابرة للحدود.
وتبرز المخاطر بالنسبة للمسافرين عند التعامل مع وسطاء مجهولين يعرضون ترتيب الزواج خلال زيارات قصيرة، أو يطلبون مبالغ مالية كبيرة دون ضمانات واضحة، أو يقدمون وعودًا بالحصول على الإقامة والامتيازات القانونية. وقد يتحول المسافر إلى ضحية احتيال مالي أو يجد نفسه طرفًا في إجراءات مخالفة للقانون، بينما قد يتعرض الطرف الآخر للخداع أو الإكراه أو التخلي عنه دون ضمان حقوقه.
ومع ذلك، فإن الزواج السياحي والزواج الصوري والزواج القسري ليست مفاهيم قانونية متطابقة؛ فالزواج أثناء السفر لا يعد جريمة بحد ذاته، كما أن الزواج القسري لا يصنف تلقائيًا اتجارًا بالبشر إلا عند توافر العناصر القانونية اللازمة لذلك.
وتضع هذه الوقائع الجهات المعنية بالسفر والهجرة ومكافحة الاتجار بالبشر أمام تحديات تتعلق بمراقبة نشاط الوسطاء، والتحقق من سلامة عقود الزواج، وتبادل المعلومات بشأن الشبكات التي تستغل اختلاف الأنظمة القانونية. كما تبرز أهمية توعية المسافرين بمخاطر التعامل مع جهات غير معروفة، وعدم تسليم الوثائق الشخصية أو دفع مبالغ لترتيب زيجات مشبوهة، والتحقق من الإجراءات الرسمية قبل الدخول في أي التزام قانوني خارج بلد الإقامة.
وبين شبكات تلاحقها الأجهزة الأمنية، ودراسات أممية تحاول قياس حجم الاستغلال، يبقى الزواج المرتبط بالسفر ملفًا تتداخل فيه قضايا السياحة والهجرة والحقوق الإنسانية؛ فالمشكلة ليست في الزواج أثناء الرحلات، وإنما في تحويل السفر والعلاقات الزوجية إلى أدوات للربح غير المشروع والاحتيال والاتجار بالبشر.

