لم تعد المطاعم مجرد محطة عابرة في برامج الرحلات السياحية، بعدما تحولت الأطباق المحلية وتجارب الطهي إلى عوامل مؤثرة في اختيار الوجهات، وبدأت دول ومدن تستثمر في مطابخها التقليدية بوصفها جزءًا من هويتها السياحية، ومصدرًا لتنشيط الاقتصاد المحلي واستقطاب الزوار.
وتتسع سياحة المذاق لتشمل زيارة الأسواق الشعبية، والتعرف على المزارع ومصادر المنتجات الغذائية، والمشاركة في إعداد الأطباق التقليدية، إلى جانب تجربة المطاعم التي تقدم وصفات ارتبطت بتاريخ المدن وثقافتها.
الطعام يصنع الوجهة
أصبحت فنون الطهي عنصرًا مهمًا في التنافس بين الوجهات السياحية، لما توفره من تجارب ثقافية أصيلة، وقدرتها على ربط الزائر بالمجتمعات المحلية ودعم المنتجين والمشروعات الصغيرة.
وتبرز إيطاليا واليابان وتايلاند وإسبانيا بين الوجهات التي تحظى مطابخها بشهرة عالمية، إذ يرتبط السفر إليها لدى كثير من الزوار بتجربة أطباقها التقليدية وأسواقها الغذائية، إلى جانب معالمها الطبيعية والتاريخية.
وفي بعض المدن، أصبحت جولات الطعام جزءًا من البرامج السياحية، حيث ينتقل الزائر بين الأسواق والمخابز والمطاعم الصغيرة، ويتعرف على قصص الأطباق ومكوناتها وطرق إعدادها.
تنافس عالمي
تتسع المنافسة العالمية على سياحة المذاق، مع توجه دول كبرى إلى توظيف مطابخها التقليدية في استقطاب الزوار وتنويع التجارب السياحية. ففي تركيا، خصصت هيئة الترويج السياحي مسارات لاستكشاف الجبن في قارص والشاي في البحر الأسود والزيتون في بحر إيجة، بينما عملت الصين على تطوير التكامل بين الطعام والسياحة، وشهدت شنغهاي إطلاق تجربة تجمع أطباق سبع مناطق صينية بالعروض الثقافية والتقنيات الرقمية.
وفي الولايات المتحدة، تروج الجهات السياحية لرحلات متخصصة في المذاق المحلي، تشمل مدنًا وأسواقًا ومهرجانات غذائية، فيما أبرزت هيئة السياحة البريطانية تجارب الطعام ضمن حملاتها الدولية لجذب الزوار.
وامتدت المنافسة إلى تايلاند، التي أطلقت هيئة السياحة فيها خلال عام 2025 مسارًا متخصصًا في شيانغ ماي للتعريف بمطبخ لانا التقليدي عبر جولات تجمع الطعام والأسواق المحلية، إلى جانب تنظيم مهرجان للمذاق في مدينة فيتشابوري. وفي البرتغال، تروج هيئة السياحة لتجارب «Taste Portugal»، التي تضع المطبخ الوطني ضمن عناصر الجذب السياحي.
وتعكس هذه التحركات انتقال المذاق من عنصر مكمل للرحلة إلى منتج سياحي تتنافس الوجهات على تطويره وتسويقه.
اقتصاد يتجاوز المطاعم
لا تتوقف العوائد الاقتصادية لسياحة المذاق عند المطاعم، بل تمتد إلى المزارعين والحرفيين ومنتجي الأغذية التقليدية والأسواق المحلية، فضلًا عن منظمي الجولات السياحية ومقدمي تجارب الطهي.
وفي يونيو 2025، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للسياحة تعاونًا مع حركة «سلو فود» لتعزيز الروابط بين السياحة والزراعة، وتطوير تجارب سياحية تعتمد على المنتجات المحلية وتدعم المجتمعات الريفية.
ويعكس هذا التوجه تحول المطبخ المحلي إلى منظومة سياحية واقتصادية تتجاوز تقديم الطعام، لتشمل إنتاجه وتسويقه والمحافظة على تراثه، وإيجاد فرص استثمارية مرتبطة به.
السعودية تدخل المنافسة
في السعودية، تتوافر مقومات واسعة لتطوير سياحة المذاق، نتيجة تنوع الأطباق التقليدية بين مناطق المملكة واختلاف مكوناتها وطرق إعدادها، بما يمنح كل منطقة هوية غذائية يمكن توظيفها في استقطاب الزوار.
وعملت هيئة فنون الطهي على إبراز هذا التنوع من خلال مبادرة «روايات الأطباق الوطنية وأطباق المناطق»، التي اختارت الجريش طبقًا وطنيًا والمقشوش حلوى وطنية، إلى جانب تحديد طبق يمثل كل منطقة.
ويبرز السليق في منطقة مكة المكرمة، والحنيذ في عسير، والأرز الحساوي في المنطقة الشرقية، والمغش في جازان، والكليجا في القصيم، بوصفها نماذج لموروث غذائي يمكن أن يتحول إلى تجارب سياحية مرتبطة بالأسواق والمزارع والمطاعم المحلية.
وفي خطوة لتعزيز حضور المطاعم السعودية، أعلنت هيئة فنون الطهي في أكتوبر 2025 شراكة مع دليل «غولت آند ميلو» العالمي، تشمل في مرحلتها الأولى الرياض وجدة والدمام والعلا وأبها، بما يدعم التعريف بتجارب الطعام وتنوعها في المملكة.
عسير والأحساء.. مذاق المكان
تمثل عسير نموذجًا للربط بين السياحة الجبلية والموروث الغذائي، إذ يمكن أن تصبح الأطباق المحلية جزءًا من تجربة زيارة القرى التراثية والمزارع والوجهات الطبيعية، بدلًا من اقتصارها على المطاعم.
وفي الأحساء، يمنح الأرز الحساوي والتمور والمنتجات الزراعية المحلية فرصًا لتطوير تجارب تجمع بين زيارة الواحات والتعرف على الإنتاج الزراعي وتذوق الأطعمة المرتبطة بالمنطقة.
أما جدة، فتتيح أسواقها التاريخية ومطابخها المتنوعة فرصة لتقديم جولات تستكشف تاريخ المدينة التجاري والثقافي من خلال الطعام، بما يعزز حضور المذاق ضمن تجربة زيارة جدة التاريخية.
تجربة تستحق السفر
ومع اتساع الاهتمام العالمي بسياحة المذاق، لم يعد نجاح الوجهة مرهونًا بشهرة مطاعمها وحدها، بل بقدرتها على تقديم تجربة تعكس ثقافة المكان، وتحافظ على أصالة أطباقه، وتتيح للزائر التعرف على المجتمع الذي أنتجها.
وتملك الوجهات السعودية فرصة للاستفادة من هذا التحول عبر تطوير مسارات سياحية متخصصة تجمع بين الطعام والتراث والطبيعة والزراعة، وتمنح الزائر أسبابًا إضافية لاكتشاف المناطق وإطالة مدة إقامته.
وهكذا يتحول المذاق من تفصيل صغير في الرحلة إلى تجربة تستحق أن تُبنى الرحلة من أجلها.

