ثلاثون ألف صورة من رحلات عائلية امتدت خمس سنوات، شملت أكثر من عشر دول وعشرات الولايات الأمريكية، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى أرشيف يصعب الرجوع إليه. هكذا لخّص أحد المسافرين تجربته في نقاش نشره على منصة «ريديت» في 16 أكتوبر الجاري، متسائلًا عن جدوى الاحتفاظ بهذا العدد الهائل من الصور إذا كان العثور على ذكريات رحلة واحدة يتطلب البحث بين آلاف الملفات.
تعكس هذه التجربة جانبًا من مفارقة يعيشها كثير من المسافرين؛ فالهاتف الذي يرافقهم لتوثيق الرحلة قد يصبح مصدرًا للتشتت خلالها، فيما تتراكم الصور بعد العودة دون ترتيب أو مراجعة. وتفتح أبحاث علمية حديثة بابًا لفهم العلاقة بين التصوير والانتباه والذاكرة، بعيدًا عن الاعتقاد بأن كثرة الصور تعني بالضرورة ذكريات أكثر وضوحًا.
رحلات تُنسى
في نقاش آخر بين هواة السفر الفردي، نشر خلال أبريل الماضي، تحدث مسافر عن صعوبة تذكّر كثير من الأماكن التي زارها رغم التقاطه صورًا عديدة، مشيرًا إلى أن بعض المواقع لا تبقى في ذاكرته إلا عندما ترتبط بتجربة استثنائية.
وتباينت تجارب المشاركين؛ فمنهم من يرى أن الصور تساعده على استعادة تفاصيل نسيها، فيما ذكر آخر أنه اعتاد تسجيل الأماكن التي زارها والمواقف التي عاشها في نهاية كل يوم، حتى لا تختفي التفاصيل الصغيرة من ذاكرته.
وتشير هذه الشهادات إلى أن المشكلة لا تتعلق بالتصوير وحده، وإنما بكيفية الاحتفاظ بالتجربة واستعادتها بعد انتهاء الرحلة.
حين تنشغل الكاميرا
في دراسة نشرتها مجلة Tourism Review خلال أبريل 2026، بحث باحثون تأثير تعدد المهام على تجربة زوار المتاحف، بما يشمل التقاط الصور ومشاركتها عبر المنصات الرقمية.
وأظهرت النتائج أن تعدد المهام قد يقلل جودة التجربة المعرفية والعاطفية، ويرتبط بانخفاض رغبة الزائر في تكرار الزيارة. ويعني ذلك أن الانشغال بالتصوير والنشر أثناء الجولة قد يزاحم الانتباه المخصص للمكان نفسه.
وتدعم دراسة أخرى نُشرت في أغسطس 2026 بمجلة American Psychologist هذا الاتجاه من زاوية مختلفة؛ إذ أظهرت أربع تجارب أن التقاط شخص للصور قد يؤثر في تذكّر مرافقه للتجربة المشتركة، حتى عندما لا يكون المرافق هو من يستخدم الكاميرا.
ولم تكن هذه النتائج مبنية على متابعة رحلات سياحية فعلية، بل على تجارب مخبرية ومعرض فني محاكى، وهو ما يستدعي الحذر عند تعميمها على جميع المسافرين.
ذكريات بعيون الآخرين
ومن النتائج اللافتة في أبحاث 2026 أن نوع الصورة التي يراجعها الإنسان قد يؤثر في الطريقة التي يستعيد بها ذكرياته.
فقد توصل بحث شمل 709 مشاركين إلى أن مشاهدة الصور التي يظهر فيها الشخص نفسه قد تدفعه إلى تذكّر التجربة من منظور المراقب الخارجي، بينما تساعد الصور الملتقطة من منظور العين على استعادة المشهد بصورة أقرب إلى الطريقة التي عاشه بها.
وهنا تظهر مفارقة جديدة؛ فقد تساعد الصورة على تذكّر المكان، لكنها قد تغير الزاوية التي يستعيد الإنسان منها التجربة.
الصورة المثالية
ولا يتوقف تأثير التصوير عند الذاكرة. فقد بحثت دراسة منشورة عام 2026 العلاقة بين مشاركة صور الرحلات على وسائل التواصل والقلق المرتبط بالظهور بصورة مثالية.
وشملت الدراسة 465 شخصًا سبق لهم السفر ونشر محتوى عن رحلاتهم، ووجدت ارتباطًا بين الاهتمام المبالغ فيه بكيفية الظهور أمام الآخرين وزيادة القلق من النشر، مع ارتباط هذا القلق بانخفاض الرضا عن الرحلة بعد انتهائها.
ولا تثبت هذه النتائج أن مشاركة الصور تسبب عدم الرضا، لكنها تشير إلى أن الاهتمام بردود فعل الآخرين قد يصبح جزءًا من تقييم المسافر لتجربته.
الوجه الآخر للتصوير
في المقابل، لا تتفق جميع الدراسات على أن التصوير يضعف التجربة السياحية.
فقد وجدت أبحاث تناولت تعديل الصور السياحية أن تحسين الصور ومراجعتها قد يعززان تقييم المسافر لرحلته وشعوره بوضوح ذكرياتها، خصوصًا عندما يرتبط ذلك باستعادة المشاعر الإيجابية.
وتوضح هذه النتائج أن التصوير ليس مشكلة بحد ذاته؛ فالصورة قد تكون وسيلة لاستعادة اللحظة، كما قد تتحول إلى مصدر للتشتت عندما يصبح توثيق الرحلة أهم من الاستمتاع بها.
بعد السفر
يبقى التحدي الحقيقي أمام المسافر في كيفية التعامل مع الصور بعد العودة. فآلاف الملفات غير المصنفة قد تجعل استعادة لحظة واحدة أمرًا مرهقًا، بينما يمكن لمجموعة محدودة من الصور المختارة، مصحوبة بأسماء الأماكن وملاحظات قصيرة، أن تساعد على استحضار التجربة.
وقد يكون من المفيد تخصيص بعض الوقت أثناء الرحلة للمشاهدة دون هاتف، والاحتفاظ بتفاصيل لا تلتقطها العدسة، مثل حديث عابر أو موقف غير متوقع أو انطباع شخصي عن المكان.
فليست كل رحلة تحتاج إلى آلاف الصور كي تبقى حاضرة، وليس كل ما تحفظه ذاكرة الهاتف يبقى بالضرورة في ذاكرة المسافر.

