من آسيا إلى أوروبا والجزر الفاخرة.. قوة الإنفاق والعائلة والتجربة تعيد تشكيل المنافسة بين الوجهات

لم يعد السائح السعودي مجرد زائر تبحث الوجهات عن زيادة أعداده، بل تحول إلى سوق قائمة بذاتها. وخلال الأشهر الأخيرة، تكشف تحركات هيئات السياحة وشركات السفر والفنادق حول العالم عن سباق متزايد للفوز بالمسافر القادم من المملكة والخليج، ليس لكثرة سفره فقط، وإنما لما يمثله من قيمة اقتصادية ونمط سفر مختلف.

وتشير تقديرات طُرحت خلال معرض WTM Spotlight في الرياض إلى أن سوق السفر السعودي إلى الخارج تبلغ حاليًا نحو 35 مليار دولار، مع توقعات بأن تتجاوز 60 مليار دولار خلال الفترة 2030–2034. والأكثر لفتًا أن إنفاق المسافر السعودي قُدّر بنحو 11 ضعف المتوسط العالمي للمسافر. (TradingView⁠)

هذه الأرقام تساعد في تفسير ما يحدث على خريطة السياحة العالمية.

ففي ألمانيا، سجل القادمون من دول مجلس التعاون نحو 1.2 مليون ليلة سياحية خلال 2025، وبلغ إنفاقهم قرابة 3 مليارات يورو، بمتوسط إنفاق يزيد بأكثر من 30% على بقية الزوار الدوليين. (TTN Online⁠)

وفي آسيا، تتحرك تايلاند نحو السوق نفسها بمنطق «القيمة قبل العدد». وتقول هيئة السياحة التايلاندية إن المسافر القادم من الشرق الأوسط ينفق في المتوسط نحو 100 ألف بات في الرحلة الواحدة، فيما تستهدف البلاد السياحة العائلية والفاخرة والعلاجية والعافية بصورة متزايدة. كما تضاعف حضور المشترين من الشرق الأوسط، وخصوصًا السعودية، في معرض السياحة التايلاندي خلال 2026. (TAT Newsroom⁠)

أما ماليزيا فتصف السعودية بأنها سوق سياحية مرتفعة العائد تتميز بقوة الإنفاق وطول الإقامة والسفر العائلي. وخلال النصف الأول من 2026 استقبلت ماليزيا 17,302 زائر من السعودية، بالتزامن مع تعزيز الربط الجوي المباشر بين البلدين. (BERNAMA⁠)

حتى المالديف، التي ارتبط اسمها طويلًا بالسياحة الفاخرة، تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه سوقًا تختلف قيمته عن مجرد عدد الزوار. وتصف بياناتها الرسمية المسافر الخليجي بأنه يميل إلى السفر ضمن عائلات كبيرة، والإقامة الأطول، والإنفاق على الفلل واليخوت الخاصة والعافية والتجارب المميزة. وفي مشاركتها الحالية في سوق السفر العربي بدبي، أكدت أن السعودية أكبر سوق شرق أوسطي للمالديف من حيث الجنسية.

ولا تتوقف المنافسة عند الفخامة.

فالبيانات الحديثة تكشف تغيرًا في دوافع السعودي نفسه. وفق دراسة Visa، قال 45% من المسافرين السعوديين إن التجارب كانت دافعًا رئيسيًا لرحلتهم الدولية الأخيرة، فيما زار 51% مطاعم راقية، و48% مدنًا ترفيهية، واستخدم 52% الذكاء الاصطناعي للحصول على أفكار للسفر.

وهذا يعني أن الوجهة التي تريد السائح السعودي لم يعد يكفيها فندق فاخر وإعلان باللغة العربية.

المنافسة أصبحت على تجربة أكثر اكتمالًا: رحلة جوية سهلة، وإجراءات دخول ميسرة، وسكن يناسب العائلة، وخصوصية، وطعام مناسب، وتسوق وترفيه، وتجارب محلية حقيقية، إضافة إلى حضور رقمي يبدأ قبل أن يحجز المسافر تذكرته.

وهنا تكمن المفارقة: بينما تتنافس وجهات العالم على إنفاق السعودي في الخارج، تنمو داخل المملكة سوق سياحية ضخمة تنافس بدورها على المسافر نفسه. فقد سجلت السعودية خلال 2025 نحو 93.3 مليون سائح محلي، بإنفاق بلغ 127.1 مليار ريال. (الأنباء السعودية⁠)

لذلك لم يعد السؤال بالنسبة للوجهات العالمية: هل يسافر السعودي؟

السؤال أصبح: كيف نقنعه بأن يختارنا؟

وفي سوق تتسع فيها الخيارات، يبدو أن الكلمة الأخيرة لن تكون للوجهة الأكثر شهرة، وإنما للوجهة التي تفهم بصورة أفضل ما يريده المسافر السعودي وتقدم له سببًا حقيقيًا للذهاب إليها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version