أعادت المشاريع السياحية الجديدة وتطور الوجهات في مناطق المملكة رسم خريطة السفر لدى السعوديين، بعدما أصبح قضاء الإجازة داخل البلاد خيارًا أكثر حضورًا مقارنة بما كان عليه قبل سنوات، مدفوعًا بتوسع المنتجات السياحية وتنوع التجارب والفعاليات، إلى جانب نمو مرافق الإيواء وتحسن الخدمات المرتبطة بالسفر.
وتشير بيانات السياحة إلى وصول عدد السياح المحليين إلى 93.3 مليون سائح خلال عام 2025، مقابل 86.2 مليونًا في العام السابق، فيما ارتفع إنفاق السياحة المحلية من 115.3 مليار ريال إلى 127.1 مليار ريال، في مؤشر على اتساع السوق وقدرتها على استقطاب مزيد من الإنفاق السياحي داخل المملكة.
ويأتي النمو في وقت تشهد فيه خريطة السياحة السعودية توسعًا لافتًا، مع بروز وجهات مثل العلا والبحر الأحمر والدرعية، بالتوازي مع تطور الوجهات المعروفة في عسير والطائف وجدة وجازان، وظهور تجارب جديدة تعتمد على الطبيعة والتراث والشواطئ والفعاليات والترفيه.
ويرى خبراء في قطاع السفر والسياحة أن التحول الأبرز لا يتمثل في تراجع رغبة السعوديين في السفر إلى الخارج، وإنما في دخول الوجهة المحلية بقوة إلى دائرة الاختيار، بعد أن أصبحت قادرة على المنافسة على جزء من أيام الإجازة وميزانيتها، خصوصًا في الرحلات القصيرة وإجازات نهاية الأسبوع.
ويشيرون إلى أن قرار السفر يرتبط عادة بمجموعة من العوامل تتجاوز سعر تذكرة الطيران، تشمل مدة الرحلة وتكاليف الإقامة والتنقل وسهولة الوصول وتنوع الأنشطة، وهي عناصر عزز تطورها خلال السنوات الأخيرة من قدرة الوجهات المحلية على جذب المسافر.
وتعزز الأرقام هذه القراءة؛ إذ كان الترفيه الغرض الأول للسياحة المحلية في 2024، مسجلًا نحو 32.3 مليون سائح محلي، بما يمثل 37.5% من إجمالي السياحة الداخلية، وهو ما يشير إلى أن جزءًا متزايدًا من الرحلات داخل المملكة أصبح مرتبطًا بقضاء الإجازة والترفيه وليس بالزيارات العائلية أو أغراض العمل فقط.
وفي المناطق، بدأت نتائج هذا التحول تظهر بصورة أوضح، إذ تجاوز عدد السياح في جازان أربعة ملايين سائح خلال 2025، بنمو بلغ 47%، فيما تجاوز إنفاقهم ثلاثة مليارات ريال، في نموذج يعكس قدرة الوجهات خارج المدن الكبرى على الحصول على حصة من الحركة السياحية.
ولا تعني هذه المؤشرات أن السياحة الداخلية حلت محل السفر الخارجي؛ فبيانات الإنفاق تشير إلى استمرار قوة حركة السفر من المملكة إلى الخارج أيضًا، ما يعكس اتساع سوق السفر في الاتجاهين.
ويرى مختصون أن المنافسة الحقيقية خلال المرحلة المقبلة ستكون على قرار المسافر نفسه؛ إذ بات بإمكان الأسرة توزيع إجازاتها خلال العام بين رحلة خارجية وأخرى داخلية، بدل ارتباط مفهوم الإجازة بالسفر الدولي وحده.
كما أن المشروعات السياحية الكبرى التي دخل بعضها مرحلة التشغيل، وأخرى تتوسع تدريجيًا، يمكن أن تضيف خيارات جديدة إلى السوق خلال السنوات المقبلة، خصوصًا مع نمو الطاقة الفندقية وتوسع شبكات النقل الجوي والبري وزيادة الفعاليات في مناطق المملكة.
وبذلك تبدو المعادلة مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات؛ فالسفر إلى الخارج لا يزال حاضرًا بقوة، لكن الوجهات السعودية باتت تنافسه على جزء من الوقت والإنفاق السياحي.
وبين 93.3 مليون سائح محلي ومشروعات ووجهات تتوسع عامًا بعد آخر، لم يعد السؤال بالنسبة لشريحة من المسافرين السعوديين متعلقًا بالدولة التي سيقضون فيها الإجازة فقط، بل أصبح البقاء داخل المملكة واحدًا من الخيارات المطروحة على الطاولة منذ البداية.
